Anasayfa الرئسية   Bize ulaşın اتصل بنا     Sesli chat دردشة صوتية  

           Hoş geldiniz اهلاً وسهلاً 

 

{ في أربعينية الراحل الكبير دايي كمال صوداچى }

 

 

 

                     ( طريق التتار )            

 

بقلم/ فاضل ناصر كركوكلي

 

 

كنتُ  آتيا ً من سفر ٍ بعيد عندما هرع َ الأخ ( أميد قاياچى ) لمساعدتي بحمل ِ حقائبي الى شقتي في الطابق الثالث ، و كنت ُ ُقبيل سفري السابق الى ( تبريز ) أعطيتُ طائرا ً أصفر اللون ذو علامة ٍ بيضاء من نوع ( الكناري ) مع قفصه ِ لأحد ِ أصدقائنا فوقفتُ لاهثا ً مع صديقي ( أوميد ) في منتصف الطابق الثاني لأرتاح َ قليلا ً فأخبرني بأن الطائرَ الأصفر ذو العلامةِ البيضاء قد طارَ من قفصه ِ المفتوح  ثم أجتازني مسرعا ً وهو يثبُ فوق السلالم الحجرية ، فبقيتُ صامتا ً لم أنبسُ بحرف ولكنه أردف َ بصوت ٍ لازالَ يرنُّ في مسامعي ... 

 

ـ أتدري أيضا ً .... لقد ماتَ داي كمال صوداچىٌ ... ؟

 

فسقطت الحقائبُ من يدي ...

 

وركنتُ الى زاوية ِ الطابق الثاني أشهقُ بغصّة ٍ عظيمة مختنقا ً من ألم ٍ ممضٍّ إخترقَ جميع َ خلايا بدني المكدود ، وعلى الرغم من ُندفِ الثلج الذي بدأ يهطلُ فوق مدينة ( گوتنبورغ ) فإنني بدأتُ أتعرّقُ من رأسي الى أخمصِ قدمي .. فاختلطَ عليَّ كلّ شيء ...

 

دموع ٌ حارقة ....  

غيبوبة و دوار ... صرخة ٌ مكتومة بحجم ِ الكون ...

 

ـ يلعن أبو الُغربة ...!!  

 

لماذا لا يستأذنُ الأمواتُ منّا  ُقبيل الرحيل ...؟

لماذا يتحايلُ الموتُ علينا خلسة ً في هذا الزمن العاهر ...؟

يراوغُ ... و نراوغ ....

 

فلا يعطينا فرصة ً لنسرق َ الق َ الشمس ِ من أحداق ِ أحبائِنا المحتضرين ...  

ولا يمنحُنا لحظة ً لنقول لهم ...   

  نحن نحبكُم ... حتى و أنتم رِمم ٌ في تضاريس ِ معاناتنا اليومية التي لا نعرفُ لها لونا ً ولا شكلاً ...    

  كيف يفاجئُنا الموت ُ .. و نحن بلا هويّة ، بلا ملامح ، بلا وطن ...؟

 

كلّ ما نعرفُ عن الوطن ...   

قمرٌ يتمزّقُ فوق أسوارِ القلعة ِ ...!!   

أقدامٌ موحلة داست أديم َ ترابنا ...!  

عواءٌ طويل بالليالي المظلمة في سماءِ كركوك ...!

  

سيوفٌ مغروزة ٌ في رحم ِ الأرض ِ ...!   

نيران ٌ تحرقُ جدائلَ الصبايا ..!  

أبوابٌ تنطبقُ على مصاريعِها خوفا ً ... !   

سنابكُ خيول الغزاة  فوق أضرحتِنا ..!!

  

   الى أين ترحل ُ ... يا داي كمال ..؟؟   

إمهلني قليلا ً لأتأمل ُ صورَتك الاخيرة ...

  

صورةَ مدينتك وهي تنبضُ في عيونِك المبتسمة ...   

صورتَك و أنت ببدلة ٍ سوداء بلون ِ العباء ات الحزينة ...   

  صورتَك و انت بقميص ٍ يتلامعُ كالتبر ِ في جبين الأمهات 

صورتَك و أنت تحترقُ وجدا ً في أحداق ِ الرّب ...   

صوتَك الرخيم الذي يهمسُ عبر التلفون ...

  

 سنقطفُ النجومَ ... مهما طال الزمن ...    (

فإستعدْ ...!!   

يا فاضل يا إبن ناصر  ... !! ) 

   

من أين تستمدُّ نبؤَتك َ و أنت بين الجدران العارية في دار إستراحة العجائز المنسيّين ..؟؟

من أين تنبعُ قوّة ُ نبضِك في شرايينك الخاوية ..؟

 

في إرتجافة ِ يدك المعروقة ..

في تجاعيد الزمن فوق قداسة ِ وجهك النوراني ..

في ضحكاتِك المجلجلة ِ وهي تصهل ُ لخيول ِ الموت ...

 في حزنك النبيل على أ ّمتِك وهو يشع ُّ بنور ِ الله ...

سبعون َ عاما ً و نيف ..

وأنت َ تطرّز بيارق َ الحرية لشعبِك المظلوم ... من بساتين ِ الزيتون في گاورباغي ... الى لوائح ِ الموت فوق َ الأعمدة ... في الرابع عشر من تموز ...

 

ومن زيارة ِ قبور أصدقائك الشهداء .. الى إحتباس ِ الأنفاس ِ الحرّى ...

خلفَ الاسلاك ِ الشائكة في سجن ِ أبي غريب ...

فأنت الآن أدرى بتباريح ِ الشمس المرفوعة ِ فوق الرماح ...

و أدرى بأستار ِ الليل البهيم وهي تلتفُّ حول جسدِك الضامر ....

و أدرى بأن المنافي سرير ٌ فارغ  و شراشف ٌ بيضاء مجعلكة و أصص أزهار ٍ ذابلة في زوايا إستراحة العجائز ...

 

و أنت أدرى بأن لا أحد َ يأتي مساء ً لينقر َ نافذتك المغلقة في الطابق ِ الارضي من المشفى سوى أصابع يدي ..

 

 _ أ نائم ٌ أنت يا داي كمال ..؟؟

 _ لا ... كنت ُ بإنتظارك ...

 _ الم يأتي أحد ٌ لزيارتِك ...؟؟

 _بلى .. أولادي ... !!

 _ و التركمان .. ؟؟

 _ أنفار ٌ منهم فقط ... !!

 _ اللّعنة ... اللّعنة ... اللّعنة ... !!

 

 فأصرخ عاليا ً ...

 _ داي كمال ...!! ؟؟

 _ نعم ... !!

 _ لا تباغتني برحيلك ... فأنا مسافر ٌ غدا ً ... !

 _ لا .. سوف أنتظرك ...

 

 فيردف ُ هذه الجملة المقتضبة بضحكة ٍ وثّابة من أعماق القلب سائلا ً ...

 _ أ تدري بالطريق الصاعد من محطة القطار بكركوك الى ( تاريم تپه ) ... ؟؟؟

 _ نعم ... أدري ... !

 _ أ تدري بماذا كان مزروعا ً في الايام الماضية .. ؟

 _ لا .. لا أدري ... !

 _ بأشجار الصنوبر و الحور و الدفلى و الكالبتوس ...

 

 _ و هل تدري ماذا كان يسمى ذلك الطريق ..؟

 _ لا أدري ...!

 _ طريقُ التتار ..!

 _ طريقُ التتار ...؟؟

 _ نعم .. لأن التتار كانوا ينقلون َ ( الفرمانات َ) بخيولهم بين الأقاليم

 

 ولم أفطنُ حينها ... بأنني سوف لا ألتقي معه مرة ً أخرى أبدا ً ...

 بل أسمع ُ صوته الواهن و الخافت يأتيني لآخِر مرة عبر الاسلاك التلفونية في إذاعة صوت تركمان العراق ...

 

 _ لا تؤاخذني يا أخي ... فأنا تعب جدا ً ....

 

 أريد أن أنقلَ تحياتي من إذاعتنا الى كلِّ الشرفاء العراقيين ... و تحية خاصة الى كركوك و الى أربيل و تلعفر ... و قرى موصل الحبيبة ... و تازه  و طوزخورماتو ... و الى كفري  و مندلي ... و آمرلي

 و التون گوپري ... و الى ... والى ...والى ... أ تسمعني ... ؟؟

 _ نعم ... أسمعُك ... !!

 

 وفجأة ً ... بدأ صوته ُ يُسمع بجلاء ٍ ووضوح لا بل بدأ صوتهُ يتعالى و يتصاعد و يهدرُ عاليا ً مثل صهيل ِ الخيول الجامحة وهي ترتقي ... .. طريقَ التتار ....!!

 

 فأسمع ُ على أثرها صوت َ تدحرج حقائبي المفتوحة من الطابق الثاني بعد ركلة ٍ عنيفة من قدمي ....

 

 

 

 

فاضل ناصر كركوكلى          

إذاعة صوت تركمان العراق       

گوتنبورغ ـ السويد             

 

Copyright ® 2005 iraqiyoon.com All Rights Reserved