Anasayfa الرئسية   Bize ulaşın اتصل بنا     Sesli chat دردشة صوتية  

الهوية التركمانية لكركوك وما جاورها.. في ماضيها  وحاضرها

 

كتابات - عوني عمر لطفي

 

صعدت قضية كركوك إلى واجهة الواقع السياسي العراقي من ضمن الواجهات المهمة والساخنة منذ احتلال العراق سنة 2003. وارتكز محور الجدل بشأنها على هويتها الثقافية/القومية التركمانية أو إنتمائها إلى الجغرافيا الكردستانية، وما  يتعلق بتطور القضية حسب السياق الدستوري لتحديد إنتمائها الثقافي والجغرافي ضمن المناطق التي وصفها الدستور بوصف ثقيل على القلب هو:  "المتنازع عليها"، والتي تمتد من أقصى شمال العراق في محافظة الموصل عبورا بحواشي محافظة أربيل وكامل محافظة كركوك ثم محافظة صلاح الدين وديالى. ومهما كان قطب الرحى يدور حول كركوك، لكن ينبغي استحضار كل هذه المناطق وغيرها في البال حين الحديث عن كركوك. فإن تجزئة الموضوع إلى شظايا متناثرة يوفي إلى غياب التصور المتكامل عن قضية إنهيار الدولة العراقية برمتها في حال من المسير بخطوات متسارعة في درب المتاهات، وما يترتب على ذلك من تخلل في توازنات الشرق الأوسط  وبكافة أطرافها وأركانها، وزعزعة ثوابتها، وتطاير متحركاتها وتوابعها، الى أمد بعيد وبصورة غير محسوبة العواقب.  نعم، وإن كركوك هي نقطة البداية لتجنب الخوض في هذه المتاهة، أو الوقوع فيها... ولذلك يجب استحضار كامل أجزاء الموضوع حين البحث  في هذه القضية التي تشبه لعب القمار على مصير المنطقة من غير إلتفات إلى ما قد يجر من هدر للقيم والثروات والدماء والتطور الإقتصادي والنهوض الحضاري ، مما لا يتحقق إلا في ظلال التعاضد والوئام بين عناصر المنطقة ودولها وشعوبها كافة.

إن الجميع يتفق على خصوصية معينة في كركوك، هي خصوصيتها العراقية. ولكن المطالب الإستحواذية المتطرفة والضاغطة في أجندة الاحزاب الكردية في الوقت الحاضر، وآمالها التي تتجاوز حدود المعقول والواقع والعدل والحقيقة بجملتها، والمصرح بها علنا وفعلا، وبتكرار يثير الحساسيات ويلغي الرأي الآخر ويستخف به، فيولد توجسات في الأطراف العراقية عموما، مهما تفاوتت في ردود الأفعال والدوافع. الملاحظة الأولى  في الجدل الدائر بشأن هوية كركوك إنه يتمحور حول توصيفها الإثني (العرقي)، وإن اختلاف الأطراف العربية والكردية والتركمانية هو بسبب الإختلاف في هذا التوصيف. لذلك، فان الحلول المقترحة لتجاوز أي أزمة ينبغي أن تتوجه إلى معالجة هذا المضمون في ضوء العلم والمنطق والواقع، مع ترسيخ هوية كركوك العراقية المتفق عليها من الأطراف كلها، والتي تجمعها تحت سقف واحد في الوقت نفسه . والملاحظة الثانية هي أن السياسي العربي لم يدع ولم يطالب يوما ما بعروبة كركوك، بل بإنتمائها إلى الوطن العراقي الذي يشكل جزءا من الوطن العربي. وإن السياسي التركماني يستند إلى الحق التاريخي والواقعي ومبادئ العدل في تركمانية كركوك وما حولها سكانيا باعتبار الأغلبية التركمانية قبل تعرضها إلى عوامل التعريب والتكريد، مع الإقرار بهويتها العراقية في السقف الأعلى،فيتحدد الموضوع عمليا في الهوية الثقافية وما يترتب عليها من حقوق سياسية تحت مجمل السقف العراقي، وبقدر التطورات العراقية العامة والمنعكسة على هذه المنطقة. وإن السياسي الكردي يستند على أغلبية السكان بغض النظر عن الطابع التاريخي الموروث إلى اليوم، ويتذبذب بين مستندني الهوية الكردية، وبين الإمتداد الجغرافي لكردستان العراق (أو كردستان الجنوبية حين الحاجة)، مع التلويح بقوة الأمر الواقع. هذا التذبذب والتلويح ظاهر عيانا وبيانا في التصريحات المتواترة مرة بهوية كركوك الكردية، ومرة بهويتها الكردستانية، ثم التصريح بأن ( كركوك الآن كردية!)، بكل ما في كلمة ( الآن!) من مدلولات وإيحاءات!

والحقيقة إن الصفة الأصلية لكركوك تظهر بذاتها في خضم هذا النقاش، حيث  الثابت فيها الصفة التركمانية، والتنازع حاصل في نفي هذه الصفة الثابتة عنها. فمحاولة نزع هذه الصفة هو بذاته دليل على هويتها التركمانية، وأن الطرف الآخر يجهد في حشد الأدلة باتجاه ترسيخ الوضع المفروض عليها بحكم الأمر الواقع القسري أو المبرمج في إتجاهي التعريب أو التكريد، واستغلال الضعف والفراغ السياسي عند الأطراف الاخرى. والتناقض الفاضح في الموضوع هو أن  أساس المشكلة قائم على رفض العوامل القسرية في تغيير التركيبة السكانية في المنطقة رفضا معلنا من جميع الأطراف  ... فكيف يمكن تعديل الوضع أو تطبيعه بفرض وقبول واقع قسري جديد لا تكتنفه الشكوك والشبهات وحدها، بل تدمغه الأدلة والشواهد، مع تجاهل وإهمال الحقوق الواقعية والتاريخية للطرف الثالث التركماني، وامتداداتها ثابتة  ومشهودة إلى أمد قريب جدا؟

إننا لم نسمع من المؤرخين القدامى أو المعاصرين  من ثبّت الهوية الثقافية الكردية لكركوك وما حولها. بل على العكس، هناك شهادات كثيرة منهم تثبت الهوية التركمانية لها. إن إستعراض هذه الشهادات والعروج المفصل إلى تاريخ كركوك والإستناد إلى الوثائق العثمانية وغيرها التي تحسم كل قول في هذا الشأن، لا تسعها هذه المقالة. فنكتفي بإشارات سريعة إلى بعضها ليرجع إلى أمثالها من يشاء التفصيل والتحري. فنختصر بإيراد نماذج تعود إلى تواريخ بدورات بين الواحدة والأخرى حوالي أربعة قرون، وذلك لتكوين فكرة أولية لدى القاريء يستطيع من ثناياها الرجوع إلى المصادر والوثائق المماثلة التي تؤدي به إلى نفس النتيجة المذكورة هنا، إذا ما توافر تغليب العقل ومنطق الحقيقة وترك تسخير النصوص قسريا  لغايات مرسومة سلفا أو المغالطة المتعمدة أو الغوغائية في الحوار. أقول هذا لأني قرأت أنماطا عجيبة سُخِّرت فيها العناوين العلمية لأغراض سياسية بصورة مفضوحة. فقد قرأت مقالة لحامل صفة (دكتور) ويقيم في المهجر الأوروبي: بأن كلمة التركمان أُطلقت من قبل الإنكليز عندما احتلوا العراق بعد الحرب العالمية الأولى حينما واجهتهم مجموعة بشرية غير معروفة لديهم من الترك، فقالوا بأنهم ترك-مان ( اي الرجل التركي باعتبار لفظة مان-الرجل- بالانكليزية) فترحمت على حال الجهل المدقع المتستر بالعلم، وعجبت من جرأة الجهل التي توصل إلى الصلف!

 

                             نصوص من القرن السادس للهجرة 

بصدد موضوعنا، تدل المدونات التاريخية الإسلامية بدلالات كثيفة ومتواترة إلى وجود تركماني كثيف  في المناطق الكردية الحالية بذاتها، وليس في كركوك والمناطق المجاورة لها التي يسود توافق لدى عموم المؤرخين على طابعها التركماني. ولما كان إدراج هذه النصوص أو الإشارة إلى جميعها متعذرا لكثرتها، أستلُّ منها نماذج مما ورد في (الكامل في التاريخ) لابن الأثير في حوادث سنة627 هـ بشأن ظهور أمير من أمراء التركمان اسمه "سونج" (بفتح السين وكسر الواو وسكون النون) ولقبه شمس الدين واسم قبيلته "قشيالوا"، فقوي أمره وقطع الطريق وكثر جمعه، وكان بين إربل (اربيل) وهمذان... ثم تعدى الى قرية منيعة اسمها  "سارو" من أعمال إربل (ولعلها تعني الصفراء بالتركية)، وهي لمظفر الدين (كوكبري التركماني)، وقتل أميرا كبيرا من أمراء مظفرالدين، فجمع مظفرالدين وأراد استعادتها منه فلم يمكنه لحصانتها ولكثرة الجموع مع هذا الرجل. فاصطلحا على ترك القرية بيده. ويستطرد ابن الاثير بأن "سونج" هذا استولى على قلعة "رويندوز" (راوندوز حاليا) من قلاع آذربيجان. ومما يستخرج من هذا النص (وأمثاله كثير في كتب التاريخ وفي مختلف العصور): أن العشائر التركمانية كانت متواجدة  بكثافة ومتحكمة سكانيا وفعليا في المناطق الكردية الحالية. ثم إن التنازع على السلطة السياسية  في هذا النموذج كان بين أمير تركماني محلي والملك كوكبري الذي يبسط سيطرته على عموم المنطقة وهو تركماني أيضا. فالصراع هنا في المنطقة تركماني-تركماني مما يفت في نظرية كردستانية المنطقة من الوجهة التاريخية بالإعتبارات السياسية لا الجغرافية، والتي تخلط بين مفهوم الوطن كحقيقة سياسية متجسدة في أرض الواقع تأريخيا أو حاضرا، وبين التوظيف السياسي للمفهوم الجغرافي لمنطقة معينة... أو حتى بين التوظيف السياسي للوطن في الوجدان أو المخيلة وبين وطن الكيان السياسي الواقعي. فلا يتصور في السياسة الواقعية أن يقام كيان سياسي بصفة دولة على مفهوم جغرافي في الأصل مثل الشرق الأوسط اوتركستان أو أرض آشورأو مزوبوتاميا أو تركمانيا أو أرمنستان أو الهند الصينية أو إقليم الهند والسند. كذلك،تعد دياربكر في تركيا أو الأندلس وطنا عربيا في الوجدان والمخيلة العربية التاريخية . ... وليس وطنا بالمعنى السياسي في الواقع والحقيقة.فينبغي التمييز بين المفهوم الجغرافي وبين التأسيس السياسي بناء على هذا المفهوم. فإن التأسيس السياسي يقتضي وجود عوامل متعددة منها الولاء الفكري للسكان وانتماؤهم الثقافي ومشاعرهم التاريخية والإنسجام الإقتصادي والإجتماعي.  ثم هناك مسألة مهمة أخرى تسترعي النظرمن حيث التحديد الجغرافي للمنطقة. وهي الإشارة الى أن نواحي راوندوز هي من توابع اذربيجان. بل أن تلك النواحي كلها (ومنها شهرزور) كانت تعد من توابع بلاد آذربيجان وبلاد الجبال الممتدة من همدان ردحا من الزمان.  وظلت جغرافيتها متذبذبة حتى حسمها العثمانيون بضمها إلى ممالكهم، في خضم الصراع الطويل بينهم وبين الصفويين.

وقد دل الذهبي وابن الاثير وكتاب التواريخ على الوجود التركماني الكثيف في مناطق الموصل والجزرة وشهرزور وآذربيجان والشام. ففي وقائع سنة 581 هــ. أخبارعن إبتداء فتنة كبيرة بين التركمان والأكراد في تلك النواحي المذكورة، ( قتل فيها من الخلق ما لايحصى، ودامت عدة سنين، وتقطعت الطرق، وأريقت الدماء، ونهبت الأموال... وقامت التركمان على ساق وقتلوا جمعا من الأكراد، فتناخت الأكراد وقتلوا في التركمان، وتفاقم الشر ودام، إلى أن جمع الأمير مجاهد الدين قايماز (التركماني) رحمه الله عنده جمعا من رؤوس التركمان والأكراد وأصلح بينهم، وأعطاهم الخلع والثياب، وأخرج عليهم مالا جمّا، فانقطعت الفتنة) والنص هنا منقول عن الحافظ الذهبي في (تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام). وكذلك دل على كثافة الوجود التركماني في تلك المناطق نص ابن الاثير في وقائع 628 هــ بشأن وصول طائفة من التتر من آذربيجان إلى أعمال إربل فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوائية  والأكراد الجوزقان وغيرهم إلى أن دخلوا بلد إربل فنبهوا القرى وقتلوا من ظفروا به من أهل تلك الأعمال،وعملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع مثلها من غيرهم.                                      وبرز إليهم مظفرالدين (كوكبري التركماني) صاحب إربل في عسكره واستمد عساكر الموصل... فلما بلغه عود التتر إلى آذربيجان أقام في بلاده ولم يتبعهم (يعني إلى آذربيجان)، فوصلوا إلى بلد الكرخيني (وهي كركوك) ودقوقا (جنوب كركوك) وغير ذلك وعادوا (أي التتر) سالمين لم يذعرهم أحد  ولا وقف في وجههم فارس.

 ويبين بن خلكان في وفيات الأعيان أن زين الدين علي المعروف بكجك (وهو أبو مظفرالدين كوكبوري) صاحب إربل، ملك إربل وبلادا كثيرة في تلك النواحي، وأنه سار عن الموصل الى إربل سنة 563 هــ.، وسلم ما كان بيده من البلاد والقلاع الى أتابك الموصل قطب الدين (التركماني)، فمن ذلك سنجار وقلعة عقر الحميدية وقلاع الهكارية جميعها وتكريت وشهرزور وغير ذلك، وما ترك لنفسه سوى إربل. وقد دل ذلك أيضا على وجود تركماني في تلك المناطق بناء على الطبيعة العشائرية في الحاكمية والإعتماد عليها في ضمان الولاء وفرض السلطة. 

ونجد أن الذهبي ينص في وقائع سنة 596 هــ بشأن سنقر الطويل الناصري، الملقب بفلك الدين (تركماني)، أنه كان ذا قرب من الإمام الناصر. فألحقه بالزعماء وجعله من كبار الأُمراء، وأقطعه تكريت ودقوقا. وفي وقائع سنة 622 هجرية (1225 م.)- وهو سنة وفاة الناصر- يذكر تاج الدين علي بن الساعي في (الروض الناضر) أميرا آخر من أعظم الأمراء الإيوائية هو فلك الدين غازي بك بن قفجاق المشهور بالإقدام والفروسية وحسن السيرة والتواضع. وكان من الأمراء الناصرية في الكرخاني (كركوك). فدخلت كرخاني في مملكة إربل بانضواء هذه الأخيرة إلى حماية الخليفة الناصر لدين الله وانفصالها عن الدولة الأيوبية. وقد إمتدت إمارة غازي بك بعد الناصر إلى أيام الإمام الظاهر ثم الإمام المستنصر بالله. وإن هذه الوقائع تؤيد ديمومة تركمانية هذه المنطقة بالنظر إلى استمداد القوة في الحكم من الواقع العشائري.

ومن الحوادث في تلك المدة الدالة على تركمانية كركوك  وما حولها: ما ورد في (الكامل) لابن الأثير في وقائع سنة 534 هجرية في ذكر مُلك زنكي لشهرزور وأعمالها فقال: (مَلَك أتابك زنكي شهرزورَ وأعمالهَا وما يجاورها من الحصون، وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني(الإيوائي ويقال الإيواقي أيضا)، وكان حكمه نافذا على قاصي التركمان ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا. فتحامى الملوك قصده، ولم يتعرضوا لولايته لهذا، ولأنها منيعة كثيرة المضائق، فعظم شأنه وازداد جمعه، وأتاه التركمان من كل فج عميق...). وكان الأمير قبجاق أو قفجاق من أمراء السلاجقة، فعظم أمرُه وعلى شأنُـه واستولى على كورة شهرزور وما جاورها من الحصون ومنها كورخيني (كركوك). فحسده أتابك زنكي كما ذكرنا - وهو عمادالدين زنكي بن اقسنقر مؤسس الدولة الأتابكية في الموصل (نقلا عن العلامة مصطفى جواد في مقالته المشهورة في مجلة اهل النفط)- ، فانتزع تلك البلاد منه سنة 1139 ميلادية. لكن بقي قسم كبير من المنطقة تحت حكمهم إلى النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي.  وتأمل في الإشارة الواضحة إلى قدوم التركمان إليه من كل صوب ودلالتها على وجودهم حتى في تلك المناطق القصية عن كركوك بمقاييس ذلك الزمان. ثم يأتي إلى ذكر انتصار الأتابكية عليه وانضمامه إليهم واستقرارالأمر على ذلك إلى حوالي 600 هجرية.بل تدل الوقائع إلى أن الإمارة القفجاقية الصغيرة قياسا بالإمارات التركمانية الأُخرى، والتي حكمت في شهرزور وكركوك والمناطق المجاورة، كانت تعتمد على قاعدة عشائرية تركمانية كثيفة. فقد جمع الأمير قفجاق (وفي لفظ قبجاق) عشرة آلاف فارس لينجد السلطان السلجوقي مسعود في خضم النـزاع على السلطنة. إن عشائر إيوة (أو ييوة) من العشائر التركمانية الزاخرة التي توجهت مع السلاجقة من بلادها نحو الغرب، فهيمنوا على بلاد الجبال من همدان إلى شهرزور وإربل. فبعد إنتزاع عمادالدين زنكي بن آق سنقر شهرزور من قفجاق بن أرسلان تاش، نقل قسما من هؤلاء الإيوائية إلى نواحي حلب لمقاتلة الصليبيين. وكان على رأسهم الأمير ياروق. فدخلوا صفحات التاريخ باسم الياروقية. هذه الوقائع المختصرة تبرز كثافة الوجود التركماني في المنطقة من جهة، وطبيعة التكوين العشائري لجيوش الأمراء من جهة أخرى. وتذكر التواريخ من الحوادث إبان ذلك، إنفصال  أمير كرخين(كركوك) عزالدين بن حسن بن يعقوب بن قفجاق بن ارسلان تاش(وانظر إلى نسبه ومكانه من هؤلاءالإيواقية الذين حكموا المنطقة ردحا من الزمان) عن الدولة الأتابكية، في خضم السجال الطويل على السلطة، وانضوائه إلى حماية الخليفةالناصر لدين الله العباسي، ثم عتب الخليفة وإنكاره على صلاح الدين الأيوبي، لأن مظفرالدين كوكبري أمير إربل المذكور (وهو زوج أخت صلاح الدين وأحد أمرائه الأشداء حينذاك) قد إعتقل الأميرَ القفجاقي عزَّالدين بن حسن، أميرَ كرخيني (كركوك)، سنة 587هجرية|1191م.، فأمره الخليفة الناصر بإعادته إلى كركوك وبالغ في ذلك. وهو من دلالات سلطة بغداد المعنوية على هذه البلاد وأمراء دولها، واستمداد الشرعية من الولاء للخلافة. وهذا الحال مشهور ومتواتر.  وقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان بأن سكان شهرزور من أكراد شداد لايسلمون أُمورهم لغيرهم ولها قلعة حصينة يتحصنون بها، إلا أنه أردف بأنهم أسلموا أمرهم لمظفرالدين كوكبري،واستكانوا له، واستتب له الأمر والمقاليد. وقد مرت نصوص آنفا عن  شهرزور، وغيرها كثير.

وقد  نص ابن فضل الله العمري في (مسالك الأبصار) في أواسط القرن الثامن الهجري على وجود كردي محدود في نواحي دقوق أو (دقموق الساقية) وبلاد الكرخين (أطراف كركوك بعمومها) التي تلي الحسنانية ببلاد الكركار،وتشاركهم (الفرماوية!) في آخر الخفارة المأخوذة في دربند (قره بيلي). وهذا الدربند يقع في الطرف الشرقي بإتجاه الحدود الإيرانية حالياً. وقد سمي بهذا الأسم نسبة إلى أمير تركماني فرض هيمنته مع عشيرته على تلك النواحي. ويلاحظ أن هذا الوجود الكردي المحدد بسبعمائة فارس مرة، وألف فارس مرة أُخرى، يشكل إمتدادا لعشائر متوطنة أصلاً في المناطق الجبلية. وأيضاً، يشير العمري في عدة مواضع إلى تداخل سكاني في صميم مملكة الجبال من أُُصول أُموية عربية وأُخرى فارسية وتركية. ونلاحظ أنه يسمي المنطقة باسم مملكة الجبال وليس باسم كردستان التي لم تكن شائعة التداول في ذلك الزمان. 

هذه النصوص وغيرها تؤيد وجودا تركمانيا كثيفا حتى في المناطق الكردية الحالية والتأريخية، بلْهَ كركوك وما جاورها. ولكنها في كل الأحوال ، تحسم الحاكمية السياسية التركمانية لها على امتداد الدول التركية السلجوقية والزنكية/ الأتابكية والقره قوينلية والأق قويونلية والتيمورية وغيرها، وأخيرا العثمانية.. ألا يجعلها ذلك وطنا تركمانيا بقدر أو آخر في المخيلة والوجدان التاريخي السياسي التركماني، كما هو وطن كردي في المخيلة والوجدان التاريخي الجغرافي الكردي؟ ألا يوجِد ذلك تدافعا متناقضا في الحجج عند إسقاط الكيان السياسي على تلك المناطق البعيدة عن كركوك من جهة الحقوق التاريخية؟ ألا يلقي ذلك بظلامية الشك على أحقية المطالب السياسية الكردية التي تسند بالحقوق الجغرافية بالدرجة الأولى والتاريخية أحيانا؟ وكيف يصح التسليم للإسقاطات السياسية الحالية على المفاهيم الجغرافية وامتداداتها،من غير روية أو طول تأمل،إلى كركوك وما جاورها، وهي لازالت محافِظة على طابعها التركماني؟ وهل يعقل أن يفلح الهرج السياسي والصخب الإعلامي والتمويه على الوعي والعقل والقوة الغاشمة والأمر الواقع؟. وزد على ذلك بشأن كركوك خاصة، إتخاذ أمراء من الإيوائية ومن بعدهم القره قويونلية كركوك معقلا ومقرا لحكمهم، يلجأ إليهم من يدور عليه الزمان من أمراء التركمان، ويُخرِجون منها الجيوش. بل إن إسم كرخيني أو كرخاني أو كرخينا تحول رويدا رويدا إلى كركوك في العصر التركماني السلجوقي  والقره قويونلي حتى اشتهر واستقر عليه في القرن التاسع الهجري، أي الخامس عشر الميلادي. فإن الصعود الحقيقي لنجم كركوك في التاريخ بدأ في عصر السلاجقة، واستمر في العهد العثماني، ولم يخبت حتى الآن. وليس مبالغة إن قلنا إن كركوك من صنع التركمان، وإن تاريخ كركوك هو جزء من تاريخ التركمان في العراق، وإن كركوك من غير الثقافة التركمانية مدينة لا يعرف لها أب.

 

                             نصوص من القرن العاشر للهجرة 

لقد استقرت كركوك تحت السلطة العثمانية وتحددت ملامح الحدود العراقية الحالية مع إيران رغم الصراع المرير مع  الصفويين، منذ ما يسمى بسفر العراقيين (عراق العرب وعراق العجم) بقيادة السلطان سليمان القانوني للجيش بنفسه، والتي اكتملت في سنة 1536 م. ومن عادة العثمانين عند فتح البلدان أن يُنظِّموا سجلات دقيقة للأغراض المالية، تسمى  (دفاترالتحرير). ومنها الدفتر المفصل للواء داقوق وكركوك الذي نظم سنة 955 هــ (1548 م). ويحتوي الدفتر على سجلات بأسماء الأشخاص ووضعهم الإجتماعي ( متزوج أم أعزب) ورؤساء البيوت والطوائف والعشائر والحرفيين (خياط،جزار، حداد) والوظائف ورجال الدين، وتشير إلى صلة القرابة مع بعضهم إن وجدت، وأديانهم، وأحوالهم الإقتصادية... وغير ذلك. وفي دراسة لهذا السجل نشرت بالتركية تم تثبيت اسم 7420 رجلا في لواء داقوق وكركوك، يستنبط فيها أن الغالبية العظمى  من السكان هم من التركمان أ- بدلالة أسمائهم وألقابهم (مثل الله ويردي، شاه قولي، ديلنجي، بايرام، طوسون) وصلة القربى المثـبّتة فيما بينهم، ب - وبدلالة ما ورد في السجل من أسماء القرى والمحلات والأزقة والمساجد والتـرع ومنابع الماء والمعالم الأخرى الصغيرة أو الكبيرة، وباستنباطٍ يعتمد على علم تحليل الأسماء الخاصة (اونوماستك)، وأسماء الأماكن (توبونيمي)، ومنشأ أسماء الأشخاص وتكاملها (انتروبونيمي) . علما بأن السجل ورث هذا التكوين الإجتماعي من الدول التركمانية السابقة التي لم ينقطع حكمها للمنطقة كلها. بل حتى الحكم الصفوي هو حكم تركي. إن هذا الوضع الذي توصلت دراسة الوثيقة إليه،  يؤيد الفحوى الإجتماعي للمدونات التاريخية  التي نقلنا نطفا منها فيما تقدم. غير أن أهمية هذه السجلات هي أنها وثائق تقدم معلومات مثبتة ميدانيا، فتنفعنا في الدراسات التاريخية واستخراج الأحوال الأجتماعية والإقتصادية وغيرها بصورة موثقة. هذا، ويوجد زخم هائل من الوثائق العثمانية تؤيد تركمانية كركوك وما جاورها من المناطق. وقد إخترنا هذه الوثيقة لقيمتها الميدانية، ولأن الفاصل الزمني بينها وبين بعض الوقائع التاريخية التي نقلنا نماذج محدودة منها هو حوالي أربعة قرون، لتشكل بمجموعها أمثلة مستمرة في الذهن تدل على  دوام   النسيج الإجتماعي على الحال نفسه طوال المدة التاريخية.

  ومع وضوح الصورة التاريخية، فلا بأس من الإشارة إلى حوادث تزيد الصورة وضوحا وتأييدا، ترجع إلى حوالي القرن من تاريخ هذه الوثيقة. فإنه حين توجه أمير دولة قره قويونلو (قره يوسف) لقتال جيش دولة الجغتاي التركية في الشرق، كانت كركوك مقر حكم ولده الميرزة إسكندر. فلما وافاه الأجل قبل إلتقاء الجمعين، فرح (قره يولك)، أمير دولة الأق قويونلي المنافسة في الشمال الشرقي، بقدر فرح  أمير الجغتاي، لعلمهما بدراية قره يوسف وقوة شكيمته وحكمته. فانتهز (قره يولوك) الفراغ الحاصل بموته، وتحرك للإستيلاء على ماردين. وكان الأمير إسكندر في كركوك حين وفاة والده. فلما بلغه توجُّهُ ( قره يولك) إلى ماردين، ضمّ إليه أميرَ الموصل زينل بك بن علي يار، وحاكم أربيل ميرزه علي، وجمْعاً من زعماء عشيرة دوكر (التركمانية)، وسار مسرعا نحو نصيبين، فقاتل قره يولك في موقع شيخ كندي قتالا شديدا، وألحق به هزيمة منكرة.( سنة 1421 م.) . وقد شد هذا من عضد إسكندر بك، فانضوى إليه التركمان الذين كانوا مع إخوته، والتفوا حوله. لكن قوات الجغتاي بقيادة شاهروح بك  حاصرت  أخا اسكندر بك، الميرزة إسباند،في قلعة بايزيد بتحريض من قره يولوك بك، وبذَلَ العون له ببقية قوته المتقدمة نحو (وان). فدافع إسباند بك عن القلعة دفاعا مستميتا، لكنه خسر المعركة في النهاية، منسحبا نحو (موش) ليلتقي بأخيه اسكندر بك الموجود حوالي الجزيرة (الجزرة) كما ذكرنا. فلما جمع أسكندر بك أمراءَ القره قويونلية أبناءَ قرة يوسف، وزعماءَ عشائرها، على رأس جيش بلغ أربعين ألفا لقتال الجغتائية والأق قويونلية الذين بلغ جمْعُهم أضعافَ ذلك، فهزموا الأميرَ اسكندر. ولسنا هنا بصدد وصف مجريات هذه المعارك وشخصية إسكندر بك المتميزة. بل التأكيد على البنية العشائرية التركمانية الواردة في هذه الأخبار، ولهذا الجيش الضخم الملتف حول أمير دولة واسعة الأطراف مقره في كركوك. إذ تصف المصادر ميمنة الجيش بقيادة بـير حسين على رأس عشائر سعدلو، ومعه في الميمنة  بـير محمد أخو إسكندر بك على رأس عشائر ألباغوت. وكان قائد الميسرة أخاه ميرزة إسباند مع ولديه شهسوار بك وبايرام بك. فهذا التكوين للجيش القره قويونلي، مثلما جيوش وتكوينات الدول التركمانية الأخرى التي كانت المنطقة برمتها ملعبا لخيولها، يدل على الوجود الكثيف للتركمان في المنطقة عموما ، وفي كركوك وما حولها خصوصا. ومن جهة أخرى، تؤيد هذه الوقائعُ النتائجَ الأجتماعيةَ التي أشرنا  إليها والمستحصلة من الدراسة التركية المهمة لتلك الوثيقة العثمانية العائدة إلى زمن يعقب هذه الحوادث بحوالي قرن واحد،ليثبت أن العثمانيين ورثوا الواقع الإجتماعي والوجود التركماني ولم يؤسسوه، كما يزعم بعض المدعين من غير تمحيص. بل كما يريد بعض المضللين التمويه على عقول الناس بتكرار مثل هذه الأباطيل والدجل الهادف إلى إضعاف الدور الوطني للتركمان ومحاصرتهم والفَتّ من عضدهم.  

                           نصوص من القرن الرابع عشر للهجرة

ونضرب صفحا عن الحوادث التاريخية في تلك الحقبة، ناهيك عن الوثائق التاريخية، التي تثبت الكثافة التركمانية في المنطقة... فنطوي حوالي أربعة قرون أخرى، لنصل إلى القرن الأخير وندقق في المعطيات بشأن الموضوع. ولا شك أن هذه المعطيات القريبة عهدا أيسر تصورا ومنالا، لأنها ترتبط حتى بالذاكرة الشاخصة للآلاف من الأشخاص الذين لا زالوا أحياء وقادرين على الإدلاء بشهاداتهم العيانية والمعاشة. وفي الحقيقة أُحسُّ بالخجل أمام الحقيقة لإضطرارنا إلى الدفاع عن البديهيات الملموسة إزاء الصخب والتشويش والهرج السياسي الذي يصم الآذان عن صوت الحقيقة. إن التشكيك في هوية كركوك التركمانية العراقية، تتبع النية والقصد في النظر إلى المدينة والمنطقة، وتوثيق الضعيف من المصادر عمدا أو بغير عمد، والأهم من ذلك، النية المسبقة في توظيفها سياسيا، ثم الإعتماد على حشد النصوص الملوية رقبتها لتخدم هذا التوظيف السياسي بغيرمبالاة لتدقيق صدقيتها. إن هذا الأسلوب لن يؤدي إلى نتائج صحيحة وسليمة وواقعية. فينبغي أن نميز بين أنواع المصادر: الجغرافية منها  والموسوعية والوثائقية والشواهد العيانية. وإن من أوثق الأقوال في هذا الموضوع شهادات وأقوال  مؤرخين معاصرين على هذا الواقع الذي يريد الضجيج والصخب والهرج السياسي أن يبتلعه. فمثلا: عبد الرزاق الحسني ومصطفى جواد يؤكدان بأن التركمانية هي اللغة السائدة في كركوك. ولونكريك، الحاكم السياسي البريطاني في كركوك، يقول في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث): إن لسان اهل كركوك هي التركية.ويتطرق إلى مناطق سكن التركمان على طريق الموصل من دلـّي عباس إلى الزاب الكبير، واصفا مدينة كركوك الجميلة التي لم تتبدل كثيرا في القرنين الأخيرين. ويقول في كتاب آخر: إن التركمان موجودون في مدن كركوك وآلتون كوبري وأربيل وقرة تبة وطوزخورماتو وكفري وداقوق  وتلعفر. ويقول هاي في كتابه (عامان في كردستان): إن اهم مدينتين في جنوب الزاب الصغير هما كركوك والسليمانية. فالأولى، إضافة إلى أربيل، يسكنها التركمان. بينما السليمانية مدينة كردية.   وديفيد ماكداول في كتابه تاريخ الكرد الحديث يقول: إن التركمان يشكلون الأغلبية على امتداد الطريق الرئيسي التاريخي. وإن النصوص التاريخية تؤيده في قوله.  ويقول حنا بطاطو في كتابه (العراق): إن كركوك ذات غالبية تركمانية بكل ما في الكلمة من معنى حتى ماض غير بعيد.  وأدعو الذين يتجاهلون هذه الحقيقة أن يكونوا منصفين في الأقل بقدر طارق عزيز ( وزير الخارجية في عهد صدام حسين) ، حينما تسأله حميدة نعنع (في كتابها طارق عزيز، رجل وقضية): هل يريدون إلحاق كركوك بالمنطقة الكردية؟ فيجيب: (نعم. نحن منذ السبعينات كان موقف في القيادة واضح. وهو أن كركوك لا تدخل ضمن منطقة الحكم الذاتي. لأنها لو دخلت ستكون مرحلة للإنفصال، بحيث تدخل لعبة النفط والمؤامرات الدولية في قضية الوحدة الوطنية. إذن فبقاؤها خارج منطقة الحكم الذاتي هي ضمانة أن لا تكون هناك مؤامرات تقسيمية. وهذا في مصلحة الجميع.... النقطة الأولى: إن كركوك ليست محافظة كردية. تذهبين إلى المدينة فتجدين عربا وأكرادا وتركمانا. والطابع الغالب تركماني. وفيها مسيحيون وآشوريون،إذ كانت مقرا لشركة النفط وفيها عائلات موظفين مختلطة). وإذ أدعو إلى الإنصاف في عهد( الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان!!!) ، أطرح وجهة النظر تلك أمام أعين من يريد أن يرى ويـبصر. ويؤكد كثير من المؤرخين والكتاب العراقيين هذه الحقيقة، زيادة على الرحالة الأجانب والسياسيين الشهود في العصور الحديثة مثل ميجر سون وكلوديس ريج.  وكذلك رسائل وبرقيات السياسيين البريطانيين المحفوظة في الوثائق البريطانية مثل السكرتيرة الشرقية غروتر وديبل وبرقية السفارة البريطانية في بغداد إلى الدائرة الشرقية الموثقة برقم 371/134212 والمتضمنة للبرقية السرية المرقمة 1286 في 12/8/1958 التي يرد فيها بأن كركوك فيها أغلبية تركية. وكذا المذكرات الشخصية والرسمية للسياسيين العراقيين مثل فريق مزهر الفرعون، من قادة ثورة العشرين، الذي يقول عن التركيبة القومية من غير العرب في العراق: الأكراد في لوائي سليمانية وأربيل والأتراك في لواء كركوك. ويقول عبدالمجيد حسيب القيسي في كتابه (الآثوريون): كركوك مدينة تركمانية تعود أُصول معظم سكانها إلى أُصول تركية في حين تسكن بالقرب منها قبائل كردية شديدة البأس. ويقول ناظم الطبقجلي، قائد الفرقة الثانية في كركوك، في تقرير رفعه إلى الحاكم العسكري في بغداد سنة 1959 بأن الصراع العرقي في كركوك بين الأكراد وبين الأغلبية التركمانية في المدينة. ويقول في تقرير آخر في شباط 1959 بأن الأكراد لم يكونوا أبدا أغلبية في كركوك بل إحتفظوا بوضع الأقلية دائما.وفي مقالة (عن تأريخ كركوك وحقوق التركمان) للدكتور سليم مطر المترعرع في كركوك والذي أحتسبه نقاء الضمير العراقي المعذب من أجلها: إن كركوك تعتبر تأريخيا وحتى الوقت الحاضر مدينة تركمانية عراقية، إذ يتقن معظم سكانها اللغة التركمانية بما فيهم العرب والسريان والأكراد. ويقول الدكتور سيار الجميل: أما الفئات التركمانية المنتشرة في أماكن معينة من شمال العراق فقد استقطبت لها كل من كركوك شرق دجلة وتلعفر في غرب دجلة، بقراهما ودساكرهما، وتعود هذه الجماعات السكانية في أُصولها إلى الدول التركمانية التي حكمت في أجزاء من العراق. ويقول الدكتور مجيد خدوري في كتابه (العراق الجمهوري): كركوك وآلتون كوبري وتلعفر مقاطعات يقيم بها التركمان. ويقول مير بصري في كتابه (أعلام الأدب في العراق الحديث): إن الأدب التركماني لازال مزدهرا في كركوك وأنحائها، في حين انتعش الأدب الكردي في السليمانية وأنحائها. ولو ذهبنا إلى تقصي مثل هذه الشواهد المكتوبة والمرئية لطال المقال إلى ما شاء الله. (أرجو مراجعة الكتب الآتية  بشأن واقع كركوك والمناطق التركمانية الأخرى: حقيقة الوجود التركماني في العراق للأستاذ أرشد الهرمزي والتركمان والوطن العراقي للمؤلف نفسه والسقوف المتصدعة للأستاذ آيدين آقصو)                                          

ولا يفوتني هنا ان أشير هنا إلى خريطة منشورة في كتاب (تاريخ كردستان) بالتركية أصدرته سنة2001 دار نشرأفيستا الموالية لدعاوى كردستان الكبرى ولاءً شديدا، ووصفته بأنه أول كتاب جامع لتاريخ كردستان، واعتمدت فيه على مقالات متخصصين في الشؤون الكردية من الإتحاد السوفييتي. فأورد كاتب المقالة الأولى لازاريف (وهو أرمني الأصل) خريطة مستقاة من وزارة الخارجية البريطانية يحدد نسبة نفوس الأكراد إلى بقية السكان على سطح جغرافية كردستان (الكبرى)، ومبينا المناطق بخطوط مميزة حسب النسب من 0% إلى 20%، ومن 20% إلى 60%، ومن 60% إلى 100%. فنشاهد فيها أن كركوك والمناطق المجاورة لها (شرقا وغربا) فيها نسبة أكراد بين 0% إلى 20%. ثم تمتد هذه الخطوط التي توضح النسبة نفسها شمالا لتشمل مدينة أربيل، ومن هناك إلى الحدود التركية عبر موصل وتلعفر. وتمتد نفس الخطوط لتبين النسبة نفسها جنوبا وشرق الجنوب إلى حدود إيران بجوار مندلي وخانقين. فهذه الخريطة تعد وثيقة من وثائق الخارجية البريطانية، ومعتمدة من أطراف كردية ومتخصصين في الشؤون الكردية ومدافعين عنها.

 والآن، وبعد هذه النماذج من شهادات الشهود ومعاياناتهم الموثقة عن الهوية التركمانية لكركوك وما جاورها، وغيرها كثير، أنقل ما ورد في سالنامات ولاية الموصل بشأن الموضوع، والصادرة في أوائل القرن العشرين الميلادي. وأعد ما سبق ذكره من الشهادات تعضيدا واختبارا للمعلومات الوثائقية الواردة في تلك السالنامات، وديمومة تلك الأحوال القديمة على الوضع نفسه إلى أواخر القرن العشرين، بل إلى الوقت الحاضر إذا استثنينا عوامل التغيير السكاني القسرية الأخيرة والمدانة من جميع الأطراف. إن (سالنامة) مركبة من كلمتين فارسيتين هما (سال) ومعناها السنة، و(نامه) ومعناها الرسالة أو المتن المكتوب. فالمعنى هو المتن المكتوب السنوي. وقد دأبت الدولة العثمانية في دورها الأخير على إصدار هذه السنويات (وإن كانت دوريات لا تلتزم السنة الواحدة) وتوسعت فيها لتكون مرجعا للمعلومات عن الولايات في مختلف شؤونها وأحوالها لتعتمد عليها الدولة في الإدارة. وعينت موظفين أكفاء لتثبيت هذه الشؤون والأحوال بأوجهها كافة.  فالسالنامات العثمانية تعد وثائق رسمية ذات مصداقية عالية ومعتمدة  في شتى العلوم باعتبارها مرجعا للمعلومات المدققة محليا وشهودا من قبل موظفين معينين لهذا الغاية. ويقصد منها تشكيل  قاعدة بيانات إحصائية معتمدة في الدولة العثمانية في ذلك العصر، على غرار دوائر الإحصاء وسجلات النفوس ودوائر المالية المتطورة في دولنا الحالية. ولذلك إعتبرنا الشهادات التي أشرنا إلى الشيء القليل منها والتي تؤيد معلومات (سالنامات) ولاية الموصل تأييدا كاملا، دليلا إضافيا على مصداقيتها، وعاملا لإزالة أي لبس قد يتولد في ذهن من لم يعرف كركوك عن قرب أو لم يعش فيها.  وهي في الوقت نفسه، تُعدّل وتُقوّم المعلومات غير المنضبطة، أوالمتسرعة، أو المستقصدة أو الموسوعية العامة المنقولة من مصادر غير موثوقة تماما،أو متهمة بسوء النية، كما سنأتي على بعضها، وإن  كانت قليلة العدد بالقياس إلى المصادر التي تؤيد الطابع التركماني للمنطقة. وربما تكون تلك المعلومات منقولة عمن لم يعاينوا الواقع فينقلون مما يسمعون أو يقرأون من غير تدقيق وتمحيص. فلابد من التمحيص قبل إصدار الأحكام. فمثلا لذلك: كتاب المعجم الجغرافي للإمبراطورية العثمانية  Dictionnarie Geographique I`Epire Ottoman لمؤلفه سي. موستارس، قنصل روسيا في إزمير سنة1863،  ونشرته(الاكاديمية الامبراطورية  للعلوم بالفرنسية) في بطرسبروغ سنة 1873، وفيه يلحق خوبة (بالقرب من الحدود الجورجية-التركية  على البحر الاسود) الواقعة في ولاية طرابزون ذلك الوقت، بلواء كردستان العثمانية (نواحي دياربكر).  ويلحق قصروق (قصروك قرب عقرة الحالية) بولاية بغداد وشهرزور (هكذا جمعا ومعا!). ويجعل كربلاء في ولاية بغداد وشهرزور (هكذا أيضا!!).ويضع الموصل في ولاية وان!!!. فكيف يعتمد على مثل هذه المدونات الإستشراقية عن العالم الإسلامي المجهول عند بعضهم إلى هذه الدرجة من غير تمحيص ومقارنة وقياس بمصادر موثوقة ؟ وأين مثل هذه، من شهادات المؤرخين المدققين العراقيين أو الذين عاشوا في العراق أو المتخصصين المعاينين؟. لذلك، فان سالنامه ولاية الموصل تعد وثيقة عثمانية تصحح المعلومات الموسوعية والتاريخية التي قد تناقضها، وفي الوقت نفسه ترفع من  قيمة أمثالها التي تتوافق معها، وخاصة مع التأييد الجم من الوثاق الأخرى والشهادات التاريخية والشخصية بشأن الطابع التركماني لكركوك وماجاورها. فبمطالعة سالنامات ولاية الموصل، سنجد فيها بيانات إحصائية  ووصفية عن أحوال السكان والعشائر والإقتصاد والعمران والطبيعة والطقس والتاريخ والتقسيمات الإدارية والموارد المالية. ونلاحظ مدى اهتمامها ودقتها في التوصيف  المفصل بمطالعة ما ورد فيها من عدد الدكاكين والحمامات والمساجد والكنائس والخانات والأنهر والسواقي والمراقد والمحلات وعدد الجنود والرتب العسكرية والوظائف المدنية وأسماء شاغليها والقرى والمدارس والسمات البشرية السائدة واللغات واللهجات وأنواع الحيوانات الأهلية والوحشية وأنواع المحاصيل الزراعية والصناعية في البلدة أو المنطقة... وغير ذلك من المعلومات المفيدة في الدراسات والعلوم. لقد طبعت سالنامة ولاية الموصل الأولى سنة 1308 هـ/1890م. وتصف هذه الطبعة لواء شهرزور، ومركزها كركوك، بأن التركية والكردية والعربية فيها مستعملة وجارية، وأن العبيدية والعشائر الأخرى موجودة في جنوب اللواء ولسان الأهالي هو اللسان التركي والكردي والعربي (وهذا التسلسل المكرر للمرة الثانية منقول نصا من عبارة السالنامة). ثم طبعت سالنامة ولاية الموصل الثانية سنة 1310 هــ، وهي أوسع من الاولى، إذ بلغت 212 صفحة مع ملحق تأريخي للولاية. وقد ذكرت أن لغة الكلام في داخل سنجاق شهرزور هي التركية والكردية والعربية بهذا التسلسل ومن غير تفصيل حسب المدن، وكما في سالنامة الموصل الأولى.  ثم أجري تطوير وتوسيع على المعلومات الواردة في سالنامة سنة 1312 هـ فبلغت 452 صفحة مع ذكر تفاصيل أدق عن السناجق كلها. وبخصوص النفوس في مدينة كركوك أوردت الإحصائيات الآتية: (باعتبارالذكور فقط، عدد المسلمين 12461 وعدد الكلدان 229 وعدد الموسويين (اليهود) 380 مجموعهم 13071  من الذكور. فبإضافة عدد مثلهم من الإناث، مع عدد لا يقل عن ثلاثة آلآف من الأجانب (من غير أهل المدينة) يبلغ عموم نفوس المدينة 29140 شخصا... وأهالي المدينة عموما أتراك يتكلمون التركية، أما الغرباء فجلهم عرب وكرد وقليل من العجم) (الصفحة 298-299). ثم تنص على وجود قرى تركية كثيرة في جوار كركوك أكبرها قرى تسعين وبشير وتازة خورماتو، والتي كل منها تحوي حوالي مائتي بيت. ثم طبعت الطبعة الرابعة سنة 1325 هــ / 1906 في 253 صفحة من غير ملحق تاريخي. فبينت مرة أخرى: (إن أهالي المدينة أتراك يتكلمون التركية وإن معظم الغرباء هم عرب وكرد مع قليل من الإيرانيين... وأن عدد الذكور في مدينة كركوك 26510 مسلم و 432 كلداني و 463 موسوي (يهودي) مجموعهم 27405 ذكور، فيضاف إليهم بقدر ذلك من الإناث، وما لا يقل عن ثلاثة آلاف من الأغراب، فيبلغ مجموع نفوس المدينة 57810 شخصا) (ص 212). ويشير إلى وجود عشائر العبيد والصالح وبني نعيم من العشائر العربية الكبيرة في قضاء كركوك، وشوان وشيخ بزني من العشائر الكردية، وكذلك يشير الى وجود الجبور(ص213). 

هذه هي صورة التركيبة السكانية في كركوك وماجاورها في التاريخ، وإلى السنوات الأخيرة وقبل أن تعبث بها أيادي التعريب والتكريد المخطَّطَين. وليست الصورة مختلفة عما عرضناه مجملا، سواء عند المؤرخين القدامى أو المعاصرين. وهذا الواقع مؤيد بأقوال الثقات وبالروايات التاريخية وبالوثائق العثمانية، وبشهادة الشهود الأحياء، وقرائن أسماء المواقع والمحلات والعشائر والشخصيات الأدبية والعلمية، وبالتراث والفنون والآثار. ولا ننسى أن السلطة السياسية كانت تركية/تركمانية طوال هذه المدة في المنطقة. فيتشكل بذلك واقع سياسي يسند الواقع السكاني تأريخيا. إن الواقع السكاني لم يتعرض إلى الإنقطاع إبان هذه المدة المديدة، بل من قبل التاريخ الذي عرضنا مقاطع منه. ولكن تعرض إلى الزعزعة بعوامل التعريب والتكريد القسرية. وهي مرفوضة ومردودة من كل الأطراف. لذلك لا ينبني عليها عمل. وما يبنى عليها باطل ينبغي أن يعدل. أما السلطة السياسية التركية فقد انقطعت بعد سقوط الدولة العثمانية وتوقيع معاهدة لوزان التي أقرت حدودا وواقعا سياسيا جديدا أنهت ونسخت وأبطلت ما قبلها. وكان العامل الحاسم والأهم في الجدل بشأن مصير ولاية الموصل في التشكيلات السياسية المستحدثة هو ولاء الأهالي على جميع سطح الولاية وهويتهم الثقافية بإعتبار الأكثرية المطلقة وعواطفهم وميولهم السياسية . فيبقى العامل الأساس الذي يعتمد عليه هو الواقع السكاني في أي تكوين سياسي يراد أن يقام على الأرض. وإن الولاء السياسي التركماني كان للعراق أولا إبان التاريخ الطويل، وكما هو ظاهر حتى في ثنايا النصوص التي ذكرناها هنا. ومع إني لم أتطرق هنا إلى وقائع التداخل في التركيبة السكانية أو السلطة السياسية بحكم الإلتزام بأصل الموضوع وعدم الإبتعاد عنه. فإن تعرض السلطة الإدارية على كركوك في التاريخ إلى شد وجذب بين بغداد والموصل وأربيل، تحت السقوف السياسية الأعلى للدول القائمة في المنطقة، لا تخرق ولا تغير الصورة العامة لحكم التركمان وسلطتهم في كامل المنطقة. فالتراث والتراكم السياسي والثقافي في كركوك وما جاورها هو تركماني النـزعة بلا شك.  من جهة أخرى، ينبغي أن لا يستخرج  مما ذكرت وجود مفاصلة إجتماعية بين أبناء المنطقة. بل العكس هو الصحيح والثابت والمستقر إلى حد التمازج، مالم تعكر السياسة الوقتية صفو الأمزجة. حتى أن الوثائق العثمانية تسمي بعض العشائر بأكراد التركمان من جراء الإختلاط بين العشائر كما تشير المدونات التاريخية أيضا ولعدم الإلتفات إلى الفروق القومية بين أبناء الأمة الأسلامبة الواحدة. ولا يتسع المقال للخوض في مثل هذه المسائل.  وإن تشويش الحقائق المحروم من التدقيق والتمحيص العلمي، والتمويه بالصراخ السياسي، والضجيج الإعلامي، والصخب الحماسي، والتهويش الغاضب، لن ينال من هذه الحقائق التاريخية، ولن يبطل إدراك العقل. ولا أظن أن منطق إنتهاز الفرص قادر على قهر قوة الحقيقة في نهاية المطاف. لكن الأجدر هو الإذعان للحق والعدل والإنصاف، لا الإنجراف مع الهوى. وكما قال الحق الجليل: [وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم.] فما أسعد الإنسان إذ يسعى لنيل حظوة الأكرم عند الله بسعيه في إحقاق الحق ونشر التعارف الأخوي والمودة التي لا تتحصل إلا بالعدل قولا وفعلا.

                        كردستان الجغرافيا ... وكردستان الكيان السياسي !

إن إنكار الطابع التركماني لكركوك وما حولها عسير لا يثبت على أرض صلبة لإنه إنكار للواقع المشهود. ويمكن  القول عموما بأن المصادر التي تلصق بكركوك وصفا غير الوصف التركماني (مهما كانت قليلة قياسا بالتي تُقَرِّر لها الصفة التركمانية) هي مصادر غير معتمدة في الغالب، إما لإنها ليست أصلية أو بسبب عدم الإطلاع على الواقع أو بالتحريف والحكم المسبق لغاية في النفس. وقد ينساق بعضهم إلى خطأ المزج بين مصطلح كردستان بالمعنى الجغرافي وبين المفهوم السياسي الذي يُرَكَّب عليه. فهنا ينبغي التمييز بين الوصف الثقافي والسكاني للمنطقة، وبين مصطلح كردستان باعتبارها مصطلحا جغرافيا. وفعلا نجد ترددا وإختلاطا في الأدبيات السياسية الكردية بين هاذين الموضوعين. ونجد أيضا أن هذا الإختلاط ينعكس حتى على  الفهم السياسي العام في العراق وفي خارجه. لذلك لابد من  إلقاء نظرة على مفهوم كردستان لتعلقه بموضوعنا، مع التنويه إلى علاقته (بالأراضي المتنازع عليها !!!) حسب الدستور العراقي، بل ربما بمنطقة أوسع تسمى (بكردستان الكبرى) في الأدبيات السياسية الكردية.

لم يرد مصطلح كردستان في المدونات الجغرافية والتاريخية في العصور القديمة، ولا في العصور الإسلامية الأولى. بل لم يرد   ما في معناه بالعربية، أي بلاد الأكراد، في التواريخ الأسلامية المذكورة. وقد دققت ذلك في تأريخ إبن خلدون أُنموذجا، بالنظر إلى عظيم إهتمامه بشؤون العمران والإجتماع، فلم أجد فيه حتى هذا اللفظ الأخير. لكني وجدت تدوينا مبكرا هو (أرض الأكراد) في الخريطة الجغرافية المرفقة بكتاب (ديوان لغات الترك) للكاشغري، وهو تركي. وكان قد عاش في القرن الحادي عشر الميلادي. غير أن نسخة الكتاب المخطوطة الوحيدة مستنسخة في عصور لاحقة. فهل الخريطة والتدوين من عمل المؤلف؟. وقد مر أن ابن فضل الله العمري المتوفى سنة 749 هجرية ذكر المنطقة باسم مملكة الجبال مثل غيره في ذلك الزمان، واصفا سكانها بالأكراد. المهم والثابت أن مصطلح كردستان بدأ بالظهور رويدا في أوائل القرن السابع الهجري في العصر السلجوقي زمن الإيوائيين التركمان، أو القرن الرابع عشر الميلادي، دلالة إلى منطقة الجبال في جانبي الحدود الإيرانية العراقية الحالية. وفي الدولة الإيلخانية التركمانية، سميت منطقة إدارية معينة باسم كردستان في الجانب الإيراني الحالي. وبعد إنضمام المنطقة الطوعي إلى الدولة العثمانية بناء على الإختلاف المذهبي مع الدولة الصفوية وبمساعي العالم الكردي العثماني الجليل إدريس البدليسي، حصل نزوح لعشائر كردية بمرور الزمان  نحو المناطق المجاورة  ودياربكر في القرن السادس عشر الميلادي. وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر صار الجغرافيون يسمون بلاد آشور القديمة في شرق دجلة بكردستان، مع إستمرار ذكر الخصوصية الجبلية للمنطقة. ولم يمتنع العثمانيون عن إشاعة هذا المصطلح في كتبهم وخرائطهم لقيام الدولة على أساس التعددية العرقية والدينية من جهة، ولتنظيم الشؤون الحقوقية والإجتماعية على المباديء الدينية وليس الإنتماء العرقي وفق أحكام الشريعة الإسلامية، ولإحوال أخرى.  ولقد تشكلت لمدة قصيرة ولاية إدارية بإسم ولاية كردستان سنة 1848 إلى سنة 1867 م. في  دياربكر وأرضروم، قبل أن تقتصر على دياربكر وحدها، ثم ألغيت تماما. وفي الطرف الإيراني، ظهرت ولاية إدارية باسم كردستان وشهدت تذبذبا على غرار مثيلتها في الدولة العثمانية. والجدير بالذكر أن أسم كردستان نشأ  ونمى في ظل دول تركمانية حكمت المنطقة أثناء الحقبة السلجوقية وقبل الدولة الصفوية. وكانت لهذه الدول دورا في رعاية المصطلح وانعكاسه في فترات معينة على التشكيلات الإدارية فيها، ولم يكن للإغراء المذهبي أو السياسي دورا لا في تطوره، ولا في إعاقته، بإعتباره منحصرا بالمفهوم الجغرافي أو الإداري أحيانا. مع العلم بأن الصفويين أتراك أيضا.

هكذا دخل المصطلح إلى كتب الجغرافيين والمؤرخين بإعتباره منطقة جغرافية دالة على وجود الأكراد فيها، ومن غير تحديد واضح لحدودها، ومع تبدل في ساحتها وموقعها بحسب الهجرات والتغيرات السكانية، وأحيانا ولاحقا، حسب الإستخدام السياسي من قبل الدول المتنافسة عليها، الشرقية والأوربية،وانعكاسات هذا التنافس على الواقع الجغرافي.

 وقد ورثت الدولة العثمانية هذا المصطلح من العصر السلجوقي والدول التركمانية  الأُخرى، مثلما ورثت كثيرا من النظم والقوانين وأساليب الإدارة. وحينما أراد السلطان ياووز سليم أن يضم هذه المنطقة إلى الممالك العثمانية بعد عودته من حملته على الأراضي الصفوية في تبريز وحواليها، وذلك بناء على ضرورات استراتيجية، كلف العالم الكبير إدريس البدليسي بهذه المهمة، بناء على عرض هذا العالم وتحمسه في إنجاز هذه الغاية بسبب الإختلاف المذهبي وعجز أمراء المنطقة المحليين من الدفاع عن أنفسهم. وكان فيها أمراء أكراد وأمراء تركمان أيضا بنص الوثيقة المقدمة إلى السلطان ياووز سليم من قبل البدليسي. فاستحقوا معاملة خاصة إلتزمت بها الدولة بشرط الطاعة والولاء. وقد تدخلت فعلا متى ما تخلخت الطاعة أو حصل تلكؤ في أداء الواجبات. فالعلاقة كانت قائمة على أساس إحترام السلطة وسيادتها والدخول في حمايتها، لا على أساس التفاوض أو التعامل بين أنداد كما قد يتصور بعضهم. وإزاء القبول الطوعي للإنضمام إلى مظلة السيادة العثمانية، تمتعت إمارات السناجق (الألوية) هذه بحرية في الشؤون الداخلية، مع وجود رقابة مركزية أثناء إجراء وتنفيذ هذه الشؤون.

 إن سمة السناجق العثمانية هي أنها قيادة عسكرية في الأصل تحولت إلى طبيعة إدارية في منطقة ذات حدود وصلاحيات معينة.ولم يكن هذا الأسلوب الإداري خاصا بهذه المنطقة وحدها، والتي تتسم بالغالبية الكردية. بل توجد إمارات سناجق أخرى في الدولة العثمانية تتمتع بامتيازات داخلية خاصة، على غرار الإمارات الكردية (وليست الكردستانية)، في آسيا وأوروبا بناء على ظروفها، مثل مناطق الحجاز وأبخازيا وفي أوروبا. بل توجد إيالات (ولايات)، وليس إمارات سناجق (ألوية)، في النظام الإداري العثماني تتمتع بأحوال خاصة في شؤوونها الداخلية مثل مملكة القرم وإيالة مصر الخديوية. (هذا الإستطراد هو من أجل توضيح الصورة فقط). فلا عجب إذن أن نجد نصوصا وخرائط عثمانية عن كردستان باعتبارها منطقة جغرافية أو سناجق إدارية. بل من المرجح أن يرتاح العثمانيون إلى شيوع تداول مصطلح كردستان ومد معناها الجغرافي إلى موش وأخلاط وبايبورت وأرضروم وقارس، في خضم الصراع الأوروبي العثماني في المراحل الأخيرة، وانخراط علماء الجغرافية السياسية الروس والأوربيين في تهيئة القاعدة الذهنية للحرب ضد العثمانيين،وإلى إشاعة إسم أرمنستان (أرمينية) دلالة على هذه المناطق في خلال محاولاتهم لتفتيت الأمبراطورية إلى دويلات صربية وبلغارية وأرمنية وعربية وكردية وألبانية.

 وبقدر إنعكاس الموضوع على المنطقة التي نحن بصددها: إن هذه المناطق المذكورة آنفا في الأعلى (والتي تشكل جزءاً مهما من كردستان الجغرافية) هي أرمينيا القديمة عند الجغرافيين. ثم تنامى اصطلاح تركمانيا سمة عليها في الغرب منذ القرن الثالث عشر، بناء على حاكمية التركمان القره قويونلية والآق قويونلية، حتى انتشر المصطلح فيهم في القرن السادس عشر وإلى مطالع القرن التاسع عشر. ولم يتم تداول مصطلح تركمانيا في المصادر الأسلامية والتركية العثمانية إلا نادرا. لأن هذه المدة صادفت حسن التعامل المبني على الإنضمام الطوعي في المنطقة وأداء الواجبات الممتاز من قبل إمارات المنطقة إزاء الدولة بلا استثناء أو تمييز بين سناجقها، سواء أكانت سناجق أمراؤها أكراد أو سناجق عثمانية تقليدية أو سناجق حكومات( ومن أجل التصور الزماني والنوعي والجغرافي: عدد السناجق الكردية 8 والسناجق العثمانية (التركية) 11 وسناجق الحكومة 5 ،ضمن ولاية دياربكر في سنة 1018 هجرية/ 1602 م. بموجب وثيقة عثمانية. وكانت كلها تحت رئاسة  أمير الأمراء العثماني في الولاية- أي بكلربكي-) . فلم تكن ثم مبررات لنقل وتداول مصطلح تركمانيا لدى العثمانيين في تلك الفترة. ويلاحظ توجه هؤلاء الغربيين منذ مطالع القرن التاسع عشر إلى ترك مصطلح تركمانيا، وإحياء مصطلح أرمينيا القديم وإحلاله محل تركمانيا في تسمية المنطقة، وتسمية جنوبها وغربها بكردستان. ومن البديهي أن يزيد حرص العثمانيين على التمسك بتسمية  كردستان على هذه المناطق دفعا للمداخلات السياسية الأوروبية والروسية الساعية إلى إنتزاعها من العثمانيين بإقامة دولة أرمنية عليها، وكما تبين  عزمهم على ذلك لاحقا في معاهدة سيفر، المعقودة بين الدول المتحالفة في الحرب الأولى ،ومن طرف واحد، لتمزيق الدولة العثمانية، ومن غير مشاركة منها أو من أي طرف يمثل أهل المنطقة من الأكراد أو العرب أو الأتراك أو غيرهم.  إذن،لا يخفى إستغلال هذه المصطلحات الجغرافية أصلا للأغراض السياسية، وزجها فيها بتعسف لا يليق برجال العلم. ولكن هذا الحال لا يمكن تجنبه في أي زمان ومكان.

 نستخرج من هذا الموجز عن المنطقة المصطلح عليها بكردستان:

1- أنه مصطلح جغرافي ويرد في فروع العلوم المتعلقة بالجغرافيا مثل الجغرافية السياسية والجغرافية العسكرية، وما يتعلق بها من دراسات وخرائط.

 2-وأن المصطلح تطور بطبيعته وحل محل مصطلحات تخص المنطقة مثل أرض آشور وتركمانيا وأرمينيا وماذي(ميديا)، أو تنازع معها مثل دياربكر أو آسيا الصغرى أو بلاد الروم أو الأناضول المشتقة من أناتوليا.

3- وحيث أن حدود المنطقة غير محددة تحديدا حاسما -حالها كباقي المناطق الجغرافية-، فأنها تتداخل مع ما يجاورها من المناطق الجغرافية، مثل بلاد الشام وعراق العرب وعراق العجم وبلاد فارس والأناضول وأرمينية. 

4-وأن من أهم معايير تمييزها تأريخيا الجبال وسكانها الأكراد،وإن جرى توصيف حدودها بمعالم طبيعية في أجزاء منها مثل شرق دجلة أو جبال زاغروس أو حمرين أو منابع دجلة والفرات، أو بخطوط الطول والعرض، مثل غيرها من المناطق الجغرافية. 

 5- ومن الملاحظات التاريخية عن جغرافية كردستان (وبهذا الإصطلاح) أنها لم تجمعها حدود إدارية واحدة مطلقا طوال التاريخ، وإن أقيمت تشكيلات إدارية بهذا الأسم على أجزاء منها، ولم تقم فوقها دول كردية بالمعيار والمعنى السياسي، وإن حكمت فيها إمارات تابعة وغير مستقلة وبصفة تغلب عليها العشائرية أو العائلية. والسلالة الكردية التي حكمت الدولة الأيوبية قامت خارج الجغرافية الكردستانية وانبثقت من مؤسسات ثقافية وحكومية ليست كردية (بل تركية)، وآلت الى دولة المماليك (التركية أيضا).

6- وإن هذه الإمارات (أسوة بغيرها من الإمارات العثمانية الشبيهة) كانت تتمتع بقسط من الحرية  في الشؤون الداخلية مع الحفاظ على مواصفات معينة في ممارستها لحريتها في الشؤون الداخلية، وأهمها:  

 أ- وجود رقابة مركزية على هذه الممارسات الداخلية.                                                                                                  

 ب- أداء إلتزامات عسكرية أومالية إزاء المركز ومراقبة هذا الأداء من قبل فصيل من الجيش المركزي (الإنكشاري عادة).     

ج- تدخل المركز وفرض رأيها حتى في هذه الشؤون الداخلية حين الإخلال بالإلتزامات الأمنية والعسكرية.

 د- تغير الصلاحيات والأنماط الإدارية المقررة حسب المراحل التاريخية والمقتضيات السياسية المركزية، وعدم دوامها على نمط واحد وثابت في إدارتها.

هـ- سيادة التشريع القانوني العثماني الشرعي والعرفي فيها، وتعيين القضاة من المركز لإنفاذ أحكام القانون. 

إن الإشكالية في كردستان (باعتبار معناها الجغرافي) تظهر حينما يراد تأسيس كيان سياسي  بمواصفات قومية كردية، بناء على هذا المفهوم الجغرافي أو الجيوبوليتيكي (الجغرافي/السياسي)، في أطر ومفاهيم آفاقية غير منضبطة إلى حد كبير. فمن الطبيعي أن تولد مثل هذه المفاهيم الجغرافية وغير المنضبطة في ذاتها، إختلافات وتنازعات شتى، لا يلجمها إلا إزالة الإختلاط بمعايير منطقية تستبعد العربدة الفكرية والسياسية والسلطوية. وفي ظني أن النتائج السياسية الوخيمة التي وقعنا فيها في العراق كان بسبب تحكيم التمويه والعربدة والمكتسبات السياسية المرتجلة، على المعايير المنطقية التي في مقدمتها سيادة العدالة والحقيقة التي تعني وضع الأشياء  في مواضعها. ولو كان موضوع كركوك و(الأراضي المتنازع عليها!!) متعلقا بالشأن الجغرافي والعلوم المرتبطة بها، أو بالشأن الإداري حصرا، لما ظهرت إشكالية أصلا. أو كانت تناقش بالمعطيات العلمية أو تحل بالمتطلبات الإدارية والسَّوقية وكما جرى سابقا.  ولكن عندما تتعلق المسألة:

1- بإرادة تكوين سياسي يؤسس فوق جغرافية غيرمحددة تحديدا منضبطا،

2-وفق آيديولوجية قومية، تحول مفهوما جيوبوليتيكيا من وطن في المخيلة والوجدان، إلى كيان يراد لها أن تكون دولة على أرض غير منضبطة الحدود، وكما هو مشاهد ومعلن في الأدبيات السياسية الكردية، فينبغي الإحتكام إلى ولاء السكان وتوجهاتهم الفكرية والسياسية ونوع ثقافتهم وعواطفهم وانسجامهم. فتكون هذه الأمور هي العامل الأول والأهم في هذا الحال. أما العوامل الأخرى، فتأتي بالدرجات التالية وحسب أهميتها. ولما كان المعيار البارز للثقافة هنا هو العامل القومي في المناطق المذكورة، فإن الإنسجام القومي والهوية القومية تبرز إلى الصدارة متقدمة على غيرها، وبقدر يتناسب مع زيادة تصدُّر العوامل السياسية على العوامل الجغرافية أو الإدارية أو الإقتصادية البحتة.

 وفيما يخص كركوك وما جاورها، فإن ثقافتها التركمانية تأريخيا وإنتمائها القومي، يمنع إنضواءها إلى إقليم كردستان، وللأسباب التي ذكرناها، حتى إن كانت ضمن جغرافية كردستان بمعناها الجغرافي البحت. ولا يصح تغليب الأمر الواقع القائم على  التغيير في التركيبة السكانية بفعل عوامل قهرية أو إصطناعية لأسباب منها:  

1- لأن مثل هذا التغيير الديموغرافي مدان وغير مسموح به محليا وعالميا وبالمواثيق الدولية ومن كافة الأطراف. فإنه لا يمنح حقا مشروعا  والبناء عليه باطل.  

2- لإن الأمر الواقع لا يلغي الحقوق التاريخية ولا أنعكاساتها السياسية، خاصة إذا تضافرت مع عوامل أخرى لا مجال للخوض فيها. 

3- لأن ذلك يخالف عملية التطبيع المنشودة باعتبار أن التطبيع هو إعادة الأمور إلى طبيعتها الأصلية وطبعها الثابت، مع عدم إلحاق الحيف والحرمان بأي طرف من الأطراف... وليس عسيرا علينا التوصل إلى إجراءات وبرامج تحقق التطبيع بهذا المعنى. 

من جهة أخرى، وكما ألمحنا سابقا: إن كانت جغرافية كردستان وطنا للكرد في المخيلة والوجدان الكردي، فإن المخيلة  والوجدان التركماني يفيض أيضا بزخم هائل من التراكمات السياسية والأجتماعية تجعل الجغرافية نفسها وطنا وجدانيا ومخيليا للتركمان، وبقدر أعظم من الوجدان العربي إزاء الأندلس مثلا، لقصر المدة في انقطاع السيادة التركية عليها ودوام بقايا آثارها الإجتماعية والثقافية  في الواقع الحالي عند التركمان، بل عند غيرهم من أبناء المنطقة نسبيا. إذن:

1- لا يصح التسليم بدقة الإحتكام إلى مفهوم كردستان الجغرافي المعروض بمعنى الوطن الوجداني والمخيالي كرديا، لتعدديتها وطنا في الوجدان التركماني والعربي والآثوري أيضا، بقدر أو آخر. 

2- كذلك، لعدم صلاحيته كمعيار للقياس والعمل به هنا، حيث ينبغي الأحتكام إلى الهوية الثقافية الأصلية والتاريخية لكركوك وما جاورها، وكما سبقت الإشارة إليها. هذا، زيادة على عدم إنضباط حدود معينة ودقيقة يمكن الركون إليها.

هذا، وإن اللعب بورقة مد حدود كردستان إلى حيث ما توجد مجموعة كردية، أُسلوب لا يقره المنطق، ولا تؤيده القواعد السياسية، وتنطوي على مخاطر جمة للمنطقة ولجميع الأطراف العراقية. وتوفي إلى إنحرافات ومزالق سياسية وآيديولوجية عميقة، منها الشوفينية. 

 أما الإحتجاج بالمعيار الإداري، فهو أيضا من العوامل التبعية والثانوية في الموضوع بناء على طبيعته المتغيرة والمتعرضة إلى التبدل في ذاتها وبالنظر إلى التذبذب المشاهد في إرتباط المنطقة تأريخيا. وإن مستندها هو الوحدة الإدارية التي جمعت بين كركوك وتوابعها جميعا في سنجاق (لواء) شهرزور في العهد العثماني، وقبله (لمدد متفاوتة وبقدر نسبي) في العهد الزنكي/ الأتابكي والإيوائي في العصورالسلجوقية ثم القره قويونلية والآق قويونلية. وقد أعتمد الدكتور كمال مظهر أحمد على هذا العنصر وعنصر الجغرافيا السياسية بشكل واسع في كتابه عن (كركوك وتوابعها، حكم التاريخ والضمير). وقد كان الدكتور دقيقا في إختيار العنوان وربطه بحكم التاريخ والضمير، لكنه مان ومال في استخدام الوقائع والوثائق وإستنباط النتائج منها. ولا مجال هنا  للإنشغال بذكر بعض الإعتراضات على ما ورد في الكتاب من هنات. لكني أعزو السبب إلى قلة المصادر العلمية والدراسات الدقيقة المتداولة في هذا الشأن، وخاصة الدراسات في الشؤون العثمانية التي توسعت بالتركية في العقود الثلاثة الأخيرة، وحرم منها العلماء في البلاد العربية والعراق، بسبب حاجز اللغة. فأقول بعد تكرار الأهمية الفرعية للعامل الإداري والجغرافي: إن تبعية كركوك وشهرزور الإدارية وعلاقاتهما الإقتصادية والإجتماعية الأخرى بالمناطق المجاورة لم تكن تأريخيا على وتيرة واحدة منذ الفتح الإسلامي إلى الدولة العراقية المعاصرة. لذلك لا يمكن الإحتكام إلى عامل الإرتباط الإداري أو الجغرافي في هذا الشأن لكثرة التذبذب والتبدل فيهما. وحتى في عصور الدول التركية كانت كركوك  وشهرزور تشهدان تجاذبا  في التبعية وفي العلاقات، وفي ظل تلك الممالك التركية/ التركمانية ذاتها، إلى بغداد أو أربيل أو الموصل أو الدول القائمة ضمن جغرافية بلاد الجبال  أو فارس وآذربيجان أو حسب الولاء للخلافة أو التنافس فيما بين هذه الدول. وقد ذكرنا في البداية خبرا يمكن أن يشكل مثالا على الحال في هذا الشأن. إن استقرار النفوذ العثماني في المنطقة، وتشكيل ولاية الموصل التي أفرزت سنجاق شهرزور، وتمام سلسلة التطور الذي ابتدأ بربط كركوك بداقوقا، وربطهما كلاهما بولاية بغداد، بعد سفر العراقين، ثم فكهما عن بغداد وضمهما إلى سنجاق (لواء) شهرزور، ومركزه كركوك، التابع لولاية (إيالة) الموصل، مع علو شأن كركوك على نفس شهرزور بمرور الزمان، حتى أن وثيقة عثمانية تصف لحاق الخراب بشهرزور بسبب الحروب، وحتى تبدل اسم السنجاق من شهرزور إلى كركوك في أواخر العهد العثماني، كل تلك التطورات متعلقة بالأحوال الإدارية والسَّوقية ومتطلباتها. وإن العامل الإداري كان وما يزال عرضة للتبدل بتبدل تلك الأحوال السَوقية والمتطلبات الإدارية. وقد تبدلت الحدود الإدارية بعد قيام الدولة العراقية الملكية بناء على المتطلبات والمتغيرات الواقعية، ليس في هذه المنطقة وحدها، بل في أنحاء العراق كافة. فلا يصح في تكوينات ذات غايات ومرام سياسية، الإحتجاج بالحدود الإدارية والمطالبة بثباتها وديمومتها أو إعادتها إلى حال الماضي، لأن طبيعة العامل الإداري ومتطلباته متغيرة حسب وقائع معينة، وليست مشتركة ولا متطابقة في معاييرها مع المعايير السياسية البحتة. ولا شك أن المدار الأهم لتطورها ورسم حدود السنجاق في ذلك العهد هو الأهمية السَّوقية العسكرية في خضم الصراع العثماني الصفوي الذي نتج عنه التحكم الصفوي المتقطع مرات متعددة ولفترات قصيرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على شهرزور وكركوك وأربيل والموصل. وحين تبدل الوضع في الدولة العراقية الحديثة، تغيرت الحدود الإدارية أيضا بناء على الأوضاع الجديدة واضمحلال الأهمية السَّوقية العسكرية، وظهور متطلبات ووقائع أُخرى. فلا يمكن الأحتجاج بالحدود الإدارية المتشكلة بناء على مصالح  زمانية ومتغيرة دليلا على الإنضواء السياسي أو حتى الإداري إلى إقليم كردستان العراق، وخاصة مع ما يُضفى ويضاف على هذا الإنضواء من السياقات السياسية المعلنة بصراحة ووضوح في الوضع القلق والمتغير الحالي، والتي تُبرز وتُقدِّم أحقية الجانب الثقافي والولائي في هذا الشأن. هذا مع عبثية تطبيق نفس المعيار الإداري في أجزاء أخرى من ولاية الموصل نفسها وما ينتج عنه من مسائل غير منطقية ولا واقعية في الوضع الراهن الحديث. فإن مناطق البهدينان والعمادية والهركية مثلا كانت من توابع الموصل بذاتها قبل العثمانيين ومن توابع سنجاق الموصل في العهد العثماني... ولم يشكك أحد جدياً لا بهوية الموصل العربية ولا بالهوية الكردية لتلك المواقع. فعلى هذا القياس: هل يقتضي أن نلحق الموصل (الممتدة بحدودها الإدارية التاريخية الى سوريا وعنة وحديثة) بإقليم كردستان؟ أم نخرج دهوك مثلاً وتوابعها المذكورة من كردستان إلى الموصل بناء على التبعية الإدارية؟  وهل يقتضي أن نلحق أربيل بالموصل أم بكركوك حسب تبعيتها لهما ردحا من الزمان؟ وهل من الصواب أن نلحق كركوك بشهرزور أو العكس، مع إختلاف الهوية الثقافية القومية بينهما وتذبذب التبعية السياسية والإدارية لشهرزور بين منطقة الجبال التي تمتد من همدان الإيرانية، وبين المنطقة العراقية الحالية؟ (مع التذكّر بأن النواحي القريبة لكلا الجانبين كردية الهوية تأريخيا وأن التذبذب في التبعية الإدارية والسياسية كان حاصلا حتى في ظل الدول التركمانية قبل الدولتين الصفوية والعثمانية، ولم تشهد كركوك ظاهرة التبعية الإدارية أو السياسية إلى الجانب الإيراني الحالي بصورة مستديمة. وهذا شيء من الإختلافات الكثيرة بين المنطقتين رغم العامل الإداري). فالحاصل أن معيار التبعية الإدارية يعتريه كثير من الطعن والشك والإعتراض في تثبيت الوحدة المناطقية والولائية بين كركوك وما جاورها، وبين إقليم كردستان بالمفاهيم المطروحة سياسيا.

إذن، ليس مستغربا أن ترد معلومات عن كردستان أو الأكراد في الوثائق والمؤلفات والموسوعات العثمانية. وأن ترسم خرائط جغرافية وإدارية للأغراض الخاصة بها. بل المستغرب والمستنكر ألا ترد فيها أسوة بالموضوعات الأخرى. ولكن المهم هو وضعها في سياقها الطبيعي واستخلاص النتائج الصحيحة منها، وليس ليّ رقبتها وتسخيرها في غير أغراضها. فالسؤال المهم هنا: هل تقام الكيانات السياسية على مفاهيم هي جغرافية في أساسها أم تقام على عوامل أخرى منها ما يتعلق بالثقافة والولاء الموفي إلى السيادة والسلطة والمكنة بمساعدة ومساندة أوضاع وظروف معينة أُخرى؟ وهل تحدد حدود الكيانات السياسية  بناء على المفاهيم الجغرافية أو الإدارية أم على ولاء السكان الذين فوق الأرض الجغرافية وهويتهم الثقافية؟. وهل يتصور إقامة كيان سياسي على المفهوم الجغرافي للشرق الأوسط أو القوقاز أو تركستان أو وادي النيل أو أرض الروم أو بلاد آشور أو موزوبوتاميا أو عراق العرب أو عراق العجم أو بلاد الشام أو أناتوليا (الأناضول) أو جزيرة العرب.... أو غيرها من المصطلحات الجغرافية غير المنضبطة بحدود سياسية؟ مما لاشك فيه أن مثل هذه المفاهيم غير المنضبطة قد تستخدم في تأجيج المشاعر السياسية لأغراض مستهدفة، وفي التشويش والتمويه للشد إلى هذه الأهداف أو في خلط الأوراق. وكما لاحظنا في موضوعنا، قد تكون المفاهيم غير المنضبطة بوضوح ذات طبيعة صالحة للأستخدام من قبل عدة أطراف في آنٍ واحد. ولكن التمييز بين المفاهيم المستعملة واستخدامها في مواضعها الصحيحة والدقيقة بمعايير منضبطة هو الذي يعيننا في الوصول إلى نتائج سليمة، وإلى الإستقراروالإطمئنان والسلام الذي ينبغي إتخاذها أهدافا أصلية، وإقامة الملك والسياسة عليها، حتى تستقيم أمور العباد والخلق أجمعين، بل حتى تستقيم  أمور الشجر والحجر والمدر، مما يسمى اليوم بالبيئة.

ومن المناسب للموضوع أن نلتفت إلى أن الحركات والثورات الكردية في عموم المنطقة لم تظهر في كركوك وما جاورها إطلاقا ، ولم تسيطر عليها في معظم الأحوال. وفي الأحوال التي وصلت شراراتها إلى أطرافها، لم تلبث فيها إلا مدة يسيرة وريثما جهز الجيش العثماني وعزز وحداته. وشخصيا لا أعرف غير حالة واحدة مثل هذه هي إمتداد الحركة البابانية مرة واحدة ولسنوات معدودة لا تتسم بالثبات إلى كركوك وما جاورها... علما بأن الحركات البابانية ضد العثمانيين كانت بسبب عاملين هما الصراع والتنافس داخل العائلة على تولي الإمارة، واستخدام النفوذ الإيراني ضد العثمانيين في هذا الصراع، مما يستدعي تدخل السراي في عزل هذا ونصب ذاك. هذا، وثَمَّ من يزعم بأن جذور العائلة البابانية تركية، وإن لم يكن لهذا القول إعتبار عندي، لأن المعيار هو الشعور الولائي ونوعية الثقافة، وليست الجذور العرقية التي لا يعلم بها إلا الله. والملاحظ أيضا، أن كبرى الحركات الكردية التي إندلعت سنة 1879 م. (وأعني حركة الشيخ عبيد الله النهري)، إذ عقدت مؤتمرا في شمدينان حضره 220 وفدا من أنحاء كردستان العثمانية والإيرانية (في تموز 1880)، ليس بينهم وفد ولا رئيس عشيرة من كركوك، مع وجود وفد من السليمانية. ومما يتعلق بموضوعنا هنا، إتخاذ هذه الحركة مدينة الموصل عاصمة منشودة لها، لا كركوك ولا أربيل!! أما ما يقال بشأن حركات عشيرة الهماوند النازحة أصلا من إيران في أواخر الدولة العثمانية نتيجة لضنك العيش وضيق الحياة، فهي حركات قطع طريق القوافل والإغارة على قرى المنطقة من داخل حدود إيران إلى شهرزور والسليمانية وحتى أطراف كركوك تبعا لفراغ القوة، وليست بأي حال من الأحوال حركات ذات صفة قومية أو سياسية. بل إن غاراتهم كانت على القرى والعشائر الكردية مثل البرزنجية والطالبانية بالدرجة الأولى. وكانت إيران تدفع الهماوند باتجاه الدولة العثمانية لإرهاقها وتصدير مشاكلها إليها، لذلك لم تتقبلهم الدولة العثمانية مع أنهم من أتباع الطائفة السنية، على خلاف تصرفها قبل ذلك بمدة مع عشائر أخرى تقبلت نزوحهم من كردستان إيران لأنهم سنة، مثل عشيرة الجاف. لذلك من غير المنطقي إحتساب مثل هذه الإضطرابات والنـزاعات العشائرية المشاهدة في كثير من المناطق الأخرى سببا وعاملا في تحديد هوية المنطقة، مع أن أعمالها في كركوك وماجاورها لم تكن بالحجم الذي يعتد به قياسا بغيرها. ومن المفيد أيضا، أن نذكر بأن الثورات الكردية بدأت في مطالع القرن التاسع عشر الميلادي بالتزامن مع تخلل الدولة العثمانية وإنهاكها بالحروب الخارجية وانفلات سيطرتها على أرجاء الدولة وتأثر نخبة من العثمانيين بأفكار الثورة الفرنسية والمفاهيم الغربية، وأن هذه الثورات لم تستند إلى وعي وطني صريح أو إلى رؤية سياسية واضحة.(الدكتورعبدالله سنو في كتابه النـزعات الكيانية الإسلامية في الدولة العثمانية). هذا، ويضع الدكتور سنو حركة الشيخ النهري في موضع متقدم خاص من حيث الوعي القومي والوطني الكردي، إستنادا إلى السمات الذاتية لشخص النهري، ولكن يحجب هذه المواصفات عن المساهمين في الحركة، وكذلك عن مسيرتها وما آلت إليها. من جهة أخرى، إذ أشير إلى العلاقة الوطيدة بين الشيخ النهري والسلطان عبدالحميد الثاني، وحماية السلطان له بعد فشل الثورة، ومدح النهري للسلطان بقصيدة كردية لدي نسخة من مخطوطها واصفا إياه بالملاذ والوفاء والدين، وتقارير الروس وبرقية بَطْريق الأرمن إلى القنصل البريطاني بالإرتياب من تحريك السلطان عبدالحميد للثورة لأغراض سياسية عثمانية، وملابسات أُخرى، أرى من الضروري الرجوع إلى المضامين والأسباب والمستندات والنتائج في الدراسات عن الثورات الكردية بحسب زمانها ومكانها وواقعها. فلا يصح إطلاق الأحكام واستنباط النتائج السياسية في هذا الشأن على عواهنها وحسب تصورات لاحقة بشأنها، وتسخيرها قسراً لأغراض مقررة مسبقا وبعيدة عن مضمونها الحقيقي، ومن غير التمعن في العوامل الذاتية والخارجية والزمانية المتعلقة بها.

                                                                                                   

                         كردستان في الكتب والموسوعات والخرائط العثماني

مع وضع النقاط التي ذكرناها نصب أعيننا، من المفيد أن نأخذ أنموذجا للتعرف على كردستان والأكراد في موسوعتين من بين عدد قليل من الموسوعات التي صنفت في العصور المتأخرة من عمر الدولة العثمانية تقليدا لأمثالها في الغرب وسدا للفراغ في عالم الكتب والحاجة الماسة إليها. وهما (قاموس الأعلام) لشمس الدين سامي بناء على تردده كثيرا في الألسن واشتهاره الذي ألفه في 12 سنة إبتداء من 1888/1305 وانتهاء سنة 1899/1900 ،و(لغات تأريخية وجغرافية) لأحمد رفعت المطبوع سنة 1300 هجرية/1882-1883 م. ( كلمة لغات تعني قاموس بالمفهوم العثماني). ولم تكن من عادة مصنفي الموسوعات العثمانيين تشكيل اللجان لتحرير المواد. بل يحرر المؤلف جميع المواد وحده بكد وكدح يستدعي الإعجاب حقا على هذه المثابرة. ولا يخفى أن ذلك قد يكون على حساب الدقة والتمحيص.

لقد قدم شمس الدين سامي خدمات جليلة للثقافة التركية،  وخاصة بعد تركه محاولاته الأدبية الأولى التي لم تلق قبولا في  الرواية والمسرحية والفروع المختلفة، وانصرافه إلى تصنيف المعاجم التركية والفرنسية. ولكنه لم يكن متبحرا في إختصاص معين. وقد إستفاد ممن سبقه في تأليف الموسوعات والمعاجم بالتركية، ومنهم أحمد رفعت وعلي سوآوي الذي ألف (قاموس العلوم والمعارف) سنة 1870 م. وكذا، من الفرنسي بوليه في مؤلفه  (Ditionanarire Universel dhistoire  de geographie) ومراجع اجنبية أخرى. إن اسلوبه في التأليف قائم على حشد المعلومات من مصادر غربية وشرقية بقدرته وطاقته العالية، ولكن غير المتبحرة وغير المتخصصة. وعلى عكس ما يقال، لم يكن تركيا بل ألبانيا. وفي الوقت نفسه، لم يكن منسجما مع النظام العثماني بل متذمرا منه مثل بعض المثقفين ثقافة فرنسية من النخبة العثمانية.  ويشاع أنه كان قوميا ألبانيا معارضا في ذاته، بدليل تنظيمه أول أبجدية ألبانية بالأحرف اللاتينية. وعند التمحيص في كتاباته، تتنفس مناخا معارضا للترك والعثمانية. بل سمعت من أفواه الرجال (وأفواه الرجال مصدر مهم ورديف للمعلومات عن الحقبة العثمانية الأخيرة وأوائل العهد الجمهوري) إن السلطان عبدالحميد حثّه على تأليف هذا القاموس ليصرف طاقته إلى العطاء الثقافي ويشغله عن التيارات الألبانية المتطرفة. ولكن سعته الثقافية وغناه فيها مشهود له، مثلما الكثير من غيره من المثقفين العثمانيين. مع ذلك، لم يسلم من الوقوع في أخطاء أقر بها بنفسه نتيجة سرعة التأليف، ووعد بتصحيحها في جزء ملحق أخير فلم يمهله الأجل، فتوفى رحمه الله في الرابعة والخمسين مخلفا كماً هائلا من التآليف والتراجم. وحين التعريف بمادة كردستان في قاموس الأعلام يسهب ويفصل، وينحى منحى جغرافيا منسجما مع أسلوب الموسوعات العثمانية في تقسيم منطقة كردستان إلى عثمانية وإيرانية، منتبها إلى التمييز بين المفهوم الجغرافي والإداري بالإشارة إلى أن ولاية كردستان العثمانية وولاية كردستان الإيرانية لم تضم المنطقة بكاملها. ويحصر جغرافية كردستان بخطي الطول الشمالي 34 و 39 وخطي الطول الشرقي 37 و46، مع تقدير أبعاد المنطقة بتسعمائة كلم طولا و100 إلى 200 كلم عرضا، ومبينا حدود المنطقة الجغرافية بمعالم طبيعية وإدارية، فيجعل يسار مجرى دجلة ومعظم ولاية الموصل مثلا معلما. ثم يقول بأن معيار تمييزها هو هوية سكانها الأكراد، ولكن غير الأكراد من العرب والأتراك والعجم مختلطون معهم في المنطقة. والأكراد أيضا غير منحصرين في المنطقة. وإن قسما منهم لا يحسبون أنفسهم أكرادا، كاللوريين.  ويعرف صفة المنطقة بالجبلية. ولكل ذلك، يخلص بحق إلى نتيجة هي: (أن تعيين حدود منضبطة لكردستان مشكل) بسبب تشابك هذه المعايير. من جهة أخرى، يشكك في إنتماء الأكراد إلى الميديين القدماء بناء على إختلاف الأصول اللغوية. فالكردية من اللغات الهندو-أوروبية، والميدية من اللغات الأورالية الطورانية. ويرجح أن الميديين من الأقوام الطورانية التركية. وهذا خلاف الأدبيات الكردية التي تنسب الأكراد إلى الميديين الذين ينسبهم شمس الدين سامي الى الترك، فيكون أصل الأكراد إلى الترك على رأيه. ونلاحظ تقاربا في تقدير مساحة منطقة كردستان وتحديد شرق دجلة في العراق الحالي والصفة الجبلية عموما بين أحمد رفعت وشمس الدين سامي، مما يدل على إقتباس الأخير من الأول، وهو يقع في كثير من المواد، أو إقتباسهما كلاهما من مصادر تركية وأجنبية مشتركة تتفق على ذلك. إلا أن شمس الدين سامي يختلف مع أحمد رفعت بالزيادة والمبالغة  في تقدير نفوس الأكراد.

وحين التطرق إلى السكان، لا يتعرض أحمد رفعت إلى الفئات والطوائف أو اللغة في كركوك، بل يكتفي بذكر عدد النفوس الذي يحدده بثلاثة عشر ألفاً . ولعل ذلك بسبب تأليف أحمد رفعت لقاموسه قبل طبع سالنامة الموصل ، وصعوبة توافر المعلومات الدقيقة من المصادر الأخرى لديه. أما شمس الدين سامي فلا شك في نقله من سالنامة ولاية الموصل إستنادا إلى المعلومات العامة والإدارية المفصلة والمشخصة الواردة ليس عن كركوك وحدها، بل المدن والقصبات الأخرى في عموم ولاية الموصل. ولكن العجيب أن يكون نقله غير دقيق في عدد النفوس واللغات التي يتكلم السكان بها في كركوك وما جاورها، وبصورة متناقضة يبعده عن الأمانة العلمية والواقع بلا شك. فمثلا يقول إن ثلاثة أرباع سكان كركوك من الكرد والباقي من الترك والعرب. فهل هنا خطأ مطبعي حتى يقتبس من سالنامة الموصل ما يخالفه؟ فإنه لو قال العكس لكان نقله من السالنامة نقلا غير دقيق وأحبَّ أن يتصرف بترك بصمته على المعلومات. والأعجب أن مسلكه في نفوس سنجاق شهرزور الذي يضم مركزه كركوك وشهرزور وأربيل ورانية وكوي سنجق وراوندوز وصلاحية، يخالف تماما ما ذهب إليه في كركوك، وينساق إلى نتائج معكوسة. فيقول: (إن القسم الأعظم من الأهالي هم من الترك والكرد ومقدار من العرب)، وبهذا التسلسل.  فمن غيرالمتصور أن تكون نسبة التركمان متدنية إلى هذا الحد في أكثف منطقة لوجودهم وفي أكبر حواضر السنجاق، ثم يكون لهم هذا الوجود الكثيف في سطح سنجاق شهرزور برمته، مع زيادة نسبة الكرد المشهودة كلما توجهنا نحو المناطق الجبلية.  فكيف يمكن الجمع بين ما قاله عن كركوك وما قاله عن السنجاق بعمومه وفيها شهرزور وكوي سنجق وراوندوز التي لا يماري أحد في غالبيتها الكردية؟  لذلك، فقد أخطأ بلا شك فيما ذكره عن كركوك، وهي الحاضرة الكبرى في السنجق كله، أو أن يكون قد حصل خطأ مطبعي لم يوفه العمر لتصحيحه. فإنه لو عكس النسبة في كركوك بين الأكراد والتركمان  لحصل الإنسجام مع محتويات القاموس الأخرى ومعلومات المصادر والسالنامة التي ينقل منها. أما عن أربيل، وهي الحاضرة الكبرى الثانية، فبعد وصف تكوينها من القلعة وربضها البالغ ضعفي قلعتها، يقول: إن القسم الأعظم منهم ترك والباقين كرد. ونلاحظ هنا أن أحمد رفعت لا يذكر شيئا من شؤون كركوك العمومية والإدارية أيضا لعدم نقله من سالنامات ولاية الموصل، على خلاف شمس الدين سامي الذي يورد معلومات مفصلة متطابقة مع سالنامات الموصل أو متقاربة معها. ويمكن أن نجد في القاموس أخطاء في مجالات شتى أقر بوجودها وصرح برغبته في تصحيحها كما نوهنا، منها ذكره أن(كركوه) من أسماء كركوك القديمة، وهي بلدة كركوى في سجستان (سيستان حاليا) من بلاد إيران حسب دائرة المعارف الفارسية/ نشر مؤسسة فرانكلين. وكذا في معجم البلدان وعند أحمد رفعت وفي المصادر الأخرى. فإن قاموس الأعلام لا يخلو من مثل هذه الهفوات. 

إن معظم الموسوعات التركية والأجنبية  تؤكد على وجود غالبية تركمانية في كركوك وما حولها. والموسوعة العربية الميسرة تحدد بحذر وبدقة بالغة كثافة (الأكراد في العراق حول الموصل وكركوك والسليمانية، وسكان المدينة الاخيرة كلهم أكراد) . والموسوعة البريطانية في طبعتها الأولى تنص على (أن كركوك في الأساس هي مدينة تركمانية وإن كان فيها من يتكلم الكردية والعربية). ثم إن الطبعات اللاحقة تضع التركمان في التسلسل الاول بين المتكلمين باللغات في كركوك. وكذلك تنص موسوعة  العمارة المحلية /جامعة كاندبرج في بريطانيا على أن غالبية سكان كركوك من التركمان وقد سبق أن ذكرت شيئا من النصوص التاريخية والوثائقية الكثيرة التي تؤيد أن منطقة كركوك وما حولها هم من التركمان. غير أن مصادر قليلة العدد جدا تشير بشكل أو آخر إلى وجود أكثرية كردية مع التركمان في كركوك، أو إلى وجود كردي وتركماني عموما،ومنها مصادر فارسية مثل (بستان السياحة، يا سياحت نامه) الذي حصل الفراغ من تأليفه سنة 1248 هجرية... إذ يرد (ذكر كركوك بأنها بلدة في عراق العرب وفي قول في ديار ربيعة وأكثر أهلها كرد وترك وأغلبهم أهل سنة وجماعة في النواحي هم "علي إلهية"). وقد يكون هذا القول عنده وعند أمثاله منسحبا ليس إلى كركوك وما يجاورها، بل إلى عموم سنجاق (لواء) شهرزور. ويحصل الإختلاط هنا بسبب أن مركز اللواء هو كركوك نفسها، مع سعة اللواء الشاملة لنواحي أربيل وكوي سنجاق وشهرزور وراوندوز وما يلحق بكل تلك النواحي من المناطق الجبلية.واللاحظ هنا، أن صاحب بستان السياحة يضع كركوك في جغرافية عراق العرب أو ديار ربيعة (وهي الموصل ودياربكر)، وليس في جغرافية كردستان، مع تأخر تاريخ تأليفه واستقرار المصطلح في عصره. فتأمل في عسر ضبط المناطق بالمفاهيم الجغرافية في المصادر المختلفة. وبمقايسة هذا العدد القليل من المصادر مع غيرها الكثير، ومقارنتها مع الشواهد والوثائق، بل وشهود العيان الذين مازالوا أحياء، تظهر الحقيقة التركمانية لكركوك وما جاورها جلية وواضحة. ولئن تقصينا مواضع الولادة لآباء أو أجداد غير التركمان في كركوك وما جاورها  لظهر أن معظمهم من خارجها.

 وأما الخرائط العثمانية، فهي خرائط إدارية لولاية كردستان التي شكلت في أجزاء من جنوب شرق تركيا الحالية في مدة معينة ولا علاقة لها بكركوك وبالعراق، أو خرائط تتعلق بالعلوم الجغرافية ولا يصح أن تبنى عليها كيانات سياسية الطابع، ولا إدارية الفحوى من غير متطلبات وموجبات سَوقية أو خدمية أو إقتصادية . وكما قلنا، لم تكن لدى العثمانيين حساسية من مفهوم كردستان بالمعاني الجغرافية والإدارية البحتة. وحالها وحكمها لا يختلف عن حال وحكم النصوص والبيانات الجغرافية بقدر تعلق الأمر بكركوك وما جاورها، وبالواقع السكاني فيها. فلا حكم للخرائط ، ولا للنصوص الجغرافية، في الواقع السكاني وما قد يتشكل عليه من أوضاع سياسية.

 وإن كل ما ذكرته لا يعني نفي وجود كردي هنا، أو دعوة إلى التقاطع. فثم وجود للأكراد والعرب في المنطقة لا يمكن التغاضي عنه. وقدعاشت القوميات كلها في إخاء ومودة عصورا طويلة، واختلطوا مع بعضهم إجتماعيا وثقافيا، وقامت بينهم صلات تناسب وقرابة.  بل ما ندعو إليه بإخلاص وصدق هو الحق والإنصاف ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة من أجل شيوع الأخوة والوئام على أسس سليمة وثابتة ودائمة. فهذا هو واقع الحال في كركوك وما جاورها.... وعليه ينبغي بناء الحل وإعلاء صرح الإخاء ومنح كل ذي حق حقه بحسب التطور في البنية السياسية في عموم العراق. إن الأُلفة والإخاء يقوم على ترسيخ الحقوق ودفع الأضغان وليس على الإجحاف والميل عن العدل. وهو مطلب الإسلام، ومطلب الضمير الإنساني والخلق الرفيع. ولا خير في مكتسبات لا تستند على الإنصاف. فإنها لا تدوم لو تحققت. والضرر فيها أعظم من منافعها. وأرجو ألاّ  أُتّهم  بأني أسيح في عالم المثال إذا ذكّرتُ الناس في هذا الزمان الصاخب بالآية الجليلة: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).(...وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن اكرمكم عند الله أتقاكم). فنحن أحوج إلى هذه الكلمات الإلهية المحكمة اليوم، أعظم من حاجتنا إلى ستر عوراتنا عبثاً بمواد الدستور ، ومعه مثله وأمثاله، وما يشاء من يشاء!.وما أحلى أن نستعيد صفوة لحظةٍ مع الروح، أو يقظة آنٍ مع الله، أو عودة إلى براءة يوم من الطفولة، فنتمسك بها كغيث الرحمة في الجدب،ونسعى لدوامها من أجل الناس والخلق أجمعين. فأُولئك الناس المتعبون الذين دَبـّوا ولا زالوا يَدُبّون في الحياة على بطونهم دبيب النمل تحت تهديد السحق طوال السنين العجاف الهائمة في العذاب والموت والتحدي المتعب والشقاء والكدح والإضطراب والألم، يستحقون أن يستظلوا بدفء  كفٍ من الظل في رمضاء الشمس اللاهبة. ولعل سِنَةٌ تداعب أجفانهم ساعة من يوم، فيحلمون أحلاما تسعدهم في تلك الساعة بشيء!. وإن كنت أَحْسَبُ أن العالم لا يغبطهم عليها!!!. فكفى !!كفى!!....

 

Avni@maktoob.com

 

Copyright 2005 iraqiyoon.com All Rights Reserved