صفحــــات من التاريخ التركمــــاني
مجزرة
كاورباغي في كركوك
12
تموز(يوليو)1946
أرشــد الهرمزي
لقد عانى المواطنون
التركمان في تاريخهم الحافل الكثير من
أنواع القهر والتنكيل إلا أنهم لم
يتخلوا عن الحفاظ على واقعهم القومي
وهويتهم الوطنية.
وتعتبر مجزرة وأحداث كركوك التي وقعت
في الثاني عشر من شهر تموز(يوليو)1946
في خضم الإضراب العمالي العام لمنتسبي
شركة نفط العراق في كركوك بين الثالث
والسادس عشر من الشهر المذكور مثالا
آخر على سياسة القهر العنصري واختلاق
المعاذير للتنكيل بمطالب المواطنين
المشروعة التي كانت تدعمها دوما
مباديء حقوق الإنسان المتحضر.
وكعادة القوى السياسية النافذة
والواقعة تحت التأثير البريطاني
الأجنبي في حينها فقد سارع
البريطانيون الذين كانوا ينهبون خيرات
العراق لإلقاء اللوم على"مثيري الفتن"
تهربا من تلبية المطالب الإنسانية
العادلة لمواطني كركوك، كما اعتادت
الجهات الحكومية على إشاعة أن هذه
المطالب المشروعة لم تكن إلا بتحريض
من قبل" القوى الشيوعية"، أو أنها
كانت تغذى من قبل جهات خارج مدينة
كركوك.[1][2]
وفي هذا المقال سنحاول أن نسلط الضوء
على هذا الحدث الهام الذي بقيت
تفاصيله في الخفاء نظرا للتكتم الشديد
الذي رافق الأحداث ومنع الإعلام من
التطرق إليه خوفا من تسرب الحقيقة إلى
الرأي العام العالمي والصحافة الحرة
حيث عمدت وزارة أرشد العمري إلى إغلاق
أكثر الصحف الصادرة في بغداد بعد أن
نشرت الصحف الظلم الذي لحق بالمواطنين
وبسبب من إطلاق النار العشوائي على
المضربين العزل من السلاح.[2][3]
ولعل الرأي العام التركماني والعراقي
لم يطلع على هذه التفاصيل بهذه الدقة
نظرا للتعتيم المذكور، كما أن
المعلومات المتسربة إلى الصحف وتلك
الواردة في مؤلف البحاثة الشهير عبد
الرزاق الحسني كانت تعوزها الدقة نظرا
لاستناد أغلبها على البيانات الحكومية
أو على شهادات شخصية بشكل رسائل بعثت
إلى الكاتب المذكور، حيث لم يكن سرد
المطالب العمالية الوارد في هذا
السياق دقيقا هو الآخر نظرا لافتقاره
إلى خلفية الموضوع. والحقيقة أن صراعا
خفيا جرى بين الحكومة وبين السفارة
البريطانية في بغداد وأخذت السفارة
على البيان الحكومي تأييده المبطن
لمطلب زيادة الأجور فبدأت باستعمال
أسلوب التهديد والترهيب لحسم هذا
الموضوع.
ونعتقد بأن التفاصيل الموثقة من قبل
الوثائق البريطانية والتي تسنى لنا
الإطلاع عليها في ملفات وزارة
الخارجية البريطانية و من مراسلات
السفارة البريطانية في بغداد
والمحفوظة في دائرة حفظ الوثائق
الوطنية البريطانية في لندن والتي
نعتقد أنها تنشر للمرة الأولى في هذا
السياق تلقي الضوء على طبيعة هذا
الحدث الهام، كما تبين خطأ بعض
المعلومات التي عرضت على الرأي العام
سواء في البيان الحكومي أو في مفاوضات
الشركة، كما أن المطالب الجوهرية قد
تناقلتها الألسن دون تحديد واف إضافة
إلى عدم الدقة في تحديد عدد القتلى
والجرحى.
لقد تحددت مطالب عمال شركة نفط العراق
أثناء إضرابهم العمالي في المطالب
التالية:
1-
المطالبة بأن تنشيء شركة نفط العراق
مساكن صحية للعمال أو أن تمنحهم بدلات
للسكن المريح.
2-
المطالبة بالتأمين الاجتماعي ضد
البطالة والعجز والشيخوخة.
3-
تحديد الأجر الأدنى للعمال بمبلغ 250
فلسا عراقيا لليوم مع مخصصات تبلغ 170
فلسا لغلاء المعيشة، بحيث يكون مجموع
الأجر اليومي 420 فلسا عراقيا.
4-
المطالبة بتوفير المواصلات إلى مقر
العمل ومنه.
5-
المطالبة بمعاملة العمال أسوة بعمال
الشركة في حيفا من حيث منحهم بدلات
مخاطر الحرب وبواقع أجر ما يماثل 72
يوما في العام.
6-
توقف الشركة عن الفصل التعسفي للعمال
ومعارضتها للعمل النقابي.
وقد بلغ مجموع عدد العمال المضربين
خمسة آلاف شخص[3][4]،
مما يدل على عدم صواب الحجة التي
تناقلتها السفارة البريطانية والحكومة
العراقية آنذاك من تأثير خارجي على
عمال كركوك.بل إن الاعتصام الذي حدث
يوم الثاني عشر من تموز(يوليو) لم يكن
إلا للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين
من العمال الذين زج بالكثير منهم في
السجون اثر التقدم بمطالبهم المشروعة.[4][5]
وفي برقية سرية برقم 6350 بتاريخ 16
تموز(يوليو)1946 من السير ستونهيوير
بيرد، السفير البريطاني في بغداد وهو
اليوم الذي أنهى فيه العمال إضرابهم
بعد الاستجابة لبعض من مطالبهم إلى
الحكومة البريطانية قدم السفير تقريرا
موجزا يفيد بأن مظاهرات عمالية قد جرت
في يوم الثاني عشر من الشهر المذكور
خلافا لأوامر متصرف كركوك الخاصة
بالامتناع عن التظاهر وأن تبادلا
لإطلاق النار قد جرى بين المتظاهرين
وقوات الشرطة نجم عنه وفاة خمسة عمال
وإصابة أربعة عشر عاملا بجروح مختلفة
بالإضافة إلى إصابة ستة من أفراد
الشرطة المحلية.[5][6]
كما أبلغ السفير إدارته المركزية أن
السيد أودسلي وهو المستشار العمالي في
السفارة البريطانية في القاهرة والذي
كلف بتولي الموضوع قد زار كركوك في
الثالث عشر من يوليو واجتمع مع متصرف
كركوك وممثلي شركة نفط العراق،
واستطرد التقرير أن أودسلي يعتقد بأن
أداء متصرف كركوك حيال الأزمة كان
موفقا.[6][7]
وأن مدير الشؤون العمالية في وزارة
الشؤون الاجتماعية قد توجه برفقة مفتش
من وزارة الداخلية وعدد من كبار ضباط
الشرطة العراقية إلى كركوك في مساء
اليوم نفسه، وأن تظاهرة صغيرة نسبيا
قد حدثت في مساء الثالث عشر من
تموز(يوليو) احتجاجا على الأحداث. وقد
أنهى السفير تقريره بأن العمال
المضربين قد أنهوا إضرابهم العام وأن
الأحوال الأمنية مستتبة في المدينة.[7][8]
وفي اليوم العشرين من شهر تموز(يوليو)
1946 وجه السير بيرد، السفير
البريطاني في بغداد رسالة من خمس
صفحات وبرقم 456 إلى معالي الدكتور
فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق جاء
فيها ما نصه:
عزيزي الدكتور الجمالي
لقد شعرت بالانزعاج مما تناقلته وسائل
الإعلام من فخامة رئيس الوزراء قد صرح
في مؤتمره الصحفي الذي عقده في الثامن
عشر من شهر يوليو بأن الحكومة تؤيد
مطالب عمال شركة نفط العراق.وقد شعرت
بأن من المناسب أن انتهز هذه الفرصة
لتعريفكم بوجهة نظري من هذا الأمر.
وأنني على أتم الثقة بأنكم قد اطلعتم
شخصيا على مجريات الأمور بعد مقابلتكم
التي تفضلتم بإجرائها مع السيد
أودسلي، ونظرا لمرور أسبوع من الوقت
على هذه المقابلة فأن بعض التطورات
التي حصلت بشأن القضية تحتم علي إيضاح
هذه النقاط.
وتذكرون من مقابلتكم للسيد أودسلي بأن
عمال شركة نفط العراق كانوا قد تقدموا
بجملة من المطالب تتلخص في ست نقاط
رئيسية, وانه قد بدأ باتخاذ الإجراءات
اللازمة للتعامل مع هذه المطالب.
وسأقوم بسرد تلك المطالب:
المطلب الأول: السكن.
لقد طلب العمال إما بإنشاء مساكن لهم
أو بمنحهم بدلات للسكن. وحسب علمي فأن
دوائر الحكومة العراقية التي توفر
السكن لمنتسبيها تقتصر في الوقت
الراهن على السكك الحديدية وإدارة
ميناء البصرة ودائرة الري. إذ لا توجد
أية إدارة حكومية أو شركة خاصة توفر
لمنتسبيها السكن في الوقت الحاضر،
إضافة إلى عدم وجود ضوابط لهذا الأمر
في أي من القوانين العراقية. إن
الشركة تناقش مسألة إنشاء المساكن
للعمال مع الجهات الحكومية إلا أن شحة
مواد البناء ستكون عائقا أمام التقدم
السريع في هذا الاتجاه ويحتاج الموضوع
إلى بعض الوقت. وهناك مقترح يرمي إلى
تعويض العمال عن بدلات السكن التي
يدفعونها حاليا بطريقة ما، ولكن هذه
الكلفة عالية نظرا لانتشار مقرات
العمال في أنحاء مختلفة من العراق
وعدم وجود ضوابط حكومية على نسب
الإيجارات. ولا يخفى عليكم أن
الاستجابة لمطالب العمال بهذا الشأن
سيؤدي إلى مطالبة العمال في جميع
أنحاء القطر لمعاملتهم بالمثل سواء من
الجهات الحكومية أو من أرباب العمل.
وكما ترون فأن هذا الموضوع لا يتعلق
بشركة نفط العراق فقط ولا يمكن
التفكير بأنها مشكلة محلية تتعلق
بمدينة كركوك فقط بل كموضوع يعم القطر
كله.
وأنني على ثقة من أن الحكومة ستتخذ
الإجراءات العاجلة لمعالجة موضوع
السكن على الصعيد الوطني. وفي هذا
الأثناء فأن مدير الشركة بالوكالة في
كركوك قد اقترح على لندن دفع بدلات
معينة للسكن، وفي حالة موافقة إدارة
الشركة على ذلك فأنه يمكن الاعتقاد
بأن ذلك سيؤثر في ارتفاع أصوات مماثلة
للمطالبة بنفس الأمر على صعيد البلاد
كلها.
المطلب الثاني: التأمينات الاجتماعية.
طالب العمال بأن تدفع الشركة لهم
بدلات للبطالة وما إلى ذلك من البدلات
الأخرى. وكما أوضح السيد أودسلي لكم
فأنه لا يوجد رب عمل في المملكة
المتحدة أو في الولايات المتحدة
الأمريكية والتي أنا على ثقة بأنكم
تعتبرونها من الدول المتقدمة في هذا
المجال من يضمن مثل هذه الحقوق
لعماله.أن هذا الموضوع هو من مسؤوليات
الدولة وتشعر الشركة وأنا أوافقها في
الرأي بأن الحكومة العراقية هي التي
يجب أن تهتم بهذا الشأن الوطني حسب
منطوق المادة الثلاثين من قانون العمل
العراقي رقم 72 لسنة 1936.
المطلب الثالث: زيادة الأجور.
لقد قامت الشركة بالفعل بزيادة مخصصات
غلاء المعيشة اعتبارا من مطلع شهر
يوليو الحالي. وبناء على المطالبات
الواقعة بهذا الشأن فأن الشركة قد
وافقت على مفاتحة مقر لندن على
استبدال ذلك بزيادة الأجر الأصلي.
ولعل ما يوضح لكم شيئا من طبيعة
العمال ما أعيده على مسامعكم مما سبق
وأن سمعتموه من السيد أودسلي من أن
الأجر اليومي الأصلي كان بواقع 80
فلسا علاوة على مبلغ 120 فلسا كمخصصات
لغلاء المعيشة مما يعني أن المجموع
كان 200 فلسا، وأن الشركة قد بادرت من
تلقاء نفسها إلى زيادة ذلك إلى مبلغ
250 فلسا.
إن
مطلب العمال كان يتلخص في رفع الأجر
الأساسي إلى 250 فلسا بالإضافة إلى
170 فلسا كمخصصات لغلاء المعيشة، أي
ما مجموعه 420 فلسا. وحسب علمي فقد
اتفقتم في الرأي مع السيد أودسلي من
أن موضوع الأجور هو شأن حساس بالنسبة
لمجمل القطر. إن زيادة الأجور في
كركوك ستتبعها زيادة فورية في نسبة
التضخم في المدينة مما يولد زيادة
ضخمة في الأسعار ويؤثر بالتالي سلبيا
على وضع من لا يعمل في الشركة ولا
يستفيد من زيادة الأجور، كما أن من
غير الممكن السيطرة على هذا التضخم في
بقعة واحدة وستتبع ذلك مطالبات واسعة
في سائر أرجاء العراق لزيادة الأجور
ولا يمكن عمليا رفض هذه المطالب فيما
إذا تمت الموافقة على ذلك من قبل شركة
نفط العراق. كما أن زيادة الأجور
ستقتصر على العمال الصناعيين بينما
تشمل زيادة أسعار المواد الغذائية
جميع شرائح المجتمع العراقي.و لا يخفى
عليكم أن العمال الزراعيين وهم
الغالبية القصوى بين فئة العمال سوف
لن يتمكنوا من شراء حاجياتهم الأساسية
مما يخلق حالة من الارتباك والسخط
الذي لا اعتقد بأنني سوف لن أعتبره
مبررا.
علاوة على ما تقدم فأن الوضع
الاقتصادي في العراق برمته سوف يتأثر
من زيادة الأجور غير المتجانسة التي
تسبب زيادة سعر المنتجات العراقية
التي هي حاليا أعلى من مثيلاتها في
العالم مما يضاعف الصعوبات التي تكتنف
المبيعات العراقية ويعود بالضرر على
مصدري هذه البضائع من جراء تذبذب سعر
الصرف الأجنبي. لذلك فأنني لا أرى
مبررا يدفع بالحكومة العراقية
للاقتصار على منطقة واحدة بدلا من
دراسة شاملة لوضع الأجور في عموم
القطر لما في ذلك من أهمية حيوية.
وبعكس ذلك فأنني أؤكد بأن الحكومة يجب
أن تأخذ في اعتبارها الزيادات الطارئة
التي سوف تحدث والتي أشرت إليها فيما
سبق.
المطلب الرابع: المواصلات.
لقد طالب العمال توفير المواصلات من
منازله إلى مقر أعمالهم. والمعلوم أن
الشركة تهيئ وسائل نقل من مركز معين
للتجمع من مشارف المدينة إلى مقرات
أعمالهم، وهي على استعداد لمواصلة ذلك
رغم الصعوبات الخاصة بقلة عدد
السيارات وشحة إطاراتها، إلا أنها لا
تعتقد بأن من المنطقي تسيير حافلة نقل
داخل الحدود البلدية، فهذا على ما
أعتقد من مسؤوليات البلدية وأنا أعلم
أن المتصرف ذاته متفق مع هذا الرأي.
وقد علمت أن مدير الشؤون العمالية في
وزارة الشؤون الاجتماعية قد أوضح في
كركوك عقب زيارة السيد أودسلي بأن
البلدية ليست في وضع يتيح لها تخصيص
حافلة لهذا الشأن. ولا أدري لماذا يجب
أن تكون كركوك تشكل استثناء بهذا
الشأن ولكنني لا زلت آمل أن هذه
المشكلة ستجد طريقها إلى الحل. وأود
أن أضيف أن هذه المطالبة العمالية
تشكل مبالغة غير مبررة إذا ما أخذنا
بنظر الاعتبار أن المسافة من الأحياء
السكنية إلى مركز التجمع لا تتجاوز 2,1
كيلومترا أو بعبارة أخرى ما لا يتجاوز
ربع مسافة شارع الرشيد. ورغم قناعتي
بوجوب تسيير أية إدارة بلدية لحافلات
النقل في مناطقها فأنني أعتقد بأن هذا
المطلب لم يكن إلا بسبب الرغبة في
إحراج الحكومة والشركة وليس نابعا من
حاجة فعلية.
المطلب الخامس:
أورد العمال أن منتسبي شركة نفط
العراق في حيفا يتقاضون مخصصات مخاطر
الحرب بواقع ما يعادل أجور 72 يوما في
العام وطالبوا بتطبيق ذلك بالمثل
عليهم. وأود القول في المقام الأول أن
المخصصات المذكورة في حيفا تدفع بسبب
الأوضاع الراهنة في فلسطين والتي
تختلف كلية عن العراق. فلا مبرر
للعراق أن يحتذي بفلسطين حاليا بل
لنقل أن من المقبول أن تحذو حذو شركات
النفط في بورما مثلا. إن المخصصات
التي تدفع في حيفا من قبل شركة نفط
العراق تستند على القوانين الفلسطينية
وتطبق على سائر أرباب العمل في
فلسطين. أما الشركة في كركوك فأنها
تتبع القوانين العراقية والنظم التي
تحتم دفع 45 يوما كراتب أساسي وبدون
مخصصات إضافية. والواقع أن شركة نفط
العراق في كركوك قد دفعت أكثر من ذلك
وتحديدا 60 يوما بدون مخصصات( على أن
لا تزيد عن ثلاثين دينارا عراقيا),
و36 يوما مع المخصصات. ولا اعتقد بأن
أي رب عمل حكوميا كان أو خاصا كان من
الكرم بحيث يدفع مثل هذه الحوافز.
المطلب السادس:
طلب العمال امتناع شركة نفط العراق
من الانتقام من العمال المضربين.وقد
قدمت الشركة هذا التعهد بكل وضوح
وأؤكد لكم بأن هذا التعهد سيجري
احترامه.
وكما أوضح السيد أودسلي لكم فأن
الشركة والمتصرف قد شعرا بضرورة إصدار
بيان في كركوك على ضوء الفقرات المار
ذكرها وقد تم بالفعل إعداد مسودة
للبيان المزمع إصداره لاستحصال موافقة
وزير الاقتصاد ومدير عام العمل في
وزارة الشؤون الاجتماعية واللذين كان
يتوقع زيارتهما إلى كركوك. وللأسف فأن
الوزير لم يستطع التوقف في كركوك،
ولكن وكما تذكرون فأن رئيس الوزراء قد
أكد في محادثتنا الجارية معه يوم 17
يوليو بأن هذا البيان قد صدر بالفعل.
ولكنني علمت أن بيانا مفصلا بموقف
الشركة والمتصرف لم يصدر على الملأ،
وأن البيان الوحيد الذي خول المتصرف
إصداره هو تصريح موجز يشير إلى أن
الشركة قد بادرت إلى الطلب من لندن
تخويلها زيادة الأجور الأساسية بدل
مخصصات غلاء المعيشة إضافة إلى منح
مخصصات سكن.
ولعلكم توافقونني الرأي بأن هذا ما
يضعنا في وضع غير مريح. فالشركة لها
من المبررات لتعتقد بأن تسعين بالمائة
من عمالها يدينون بالولاء للشركة,
إنهم قد تعرضوا للتحريض من قبل بعض
مثيري الشغب، والعديد من هؤلاء العمال
ليسوا من كركوك كما أن أغلبيتهم لم
يتموا شهرا أو شهرين في العمل مع
الشركة. وكما أوضح السيد أودسلي فأن
من الضروري أن يجري إعلام العمال
الموالين بأنهم قد تعرضوا للابتزاز
للاشتراك في الإضراب بفعل ضغوط خارجية
إضافة إلى توضيح موقف الشركة والقاضي
بعدم مخالفة نصوص القوانين العراقية
نصا وروحا والتي تشمل عموم القطر، إلا
انه ليس في الامكان أن يتوقعوا منها
أن تتعامل مع المشاكل العمالية في
كركوك وكأنها في معزل من المباديء
المتعارف عليها في أرجاء القطر
الأخرى.
إن
الغالبية العظمى من العمال قد بدأوا
بالرجوع إلى مزاولة أعمالهم، وأرى أنه
من الضرورة بمكان أن تستثمر هذه
الفرصة لتوضيح الأمر برمته إليهم.
وأنني على ثقة من أن مجلس الوزراء
سيخول وزير الاقتصاد لإصدار تعليماته
إلى المتصرف لإصدار بيان يشمل
المباديء التي تم الاتفاق عليها بينه
وبين الشركة. وفي حالة عدم إجراء ذلك
في أقرب وقت فأنني أعتقد بأن الشركة
ستشعر أن عليها أن توضح الأمر
لمنتسبيها مباشرة من قبلها، حيث أنها
ستشعر بأنها يجب أن لا تعتبر مسؤولة
عن زيادة الأجور والمخصصات وتوفير
التسهيلات الأخرى مما سيحفز زيادة
التضخم وارتفاع الأصوات المماثلة
والمطالبة بزيادات عالية. أن الاعتقاد
الراسخ هو أن هذه الأمور يجب أن تقرر
من قبل الحكومة العراقية وأن الشركة
ستكون مستعدة للتعاون ضمن امكاناتها.
وأضيف أن سفارتي سيسرها أن تسهم في أي
إسهام ممكن لهذا الغرض.
من
هذا المنطلق ذكر معاليكم للسيد أودسلي
أنه سيكون من المفيد لو قدم لكم
استشارات بهذا الشأن. وقد علمت أنه قد
أبلغكم بأنه قد أرسل إلى الشرق الأوسط
من قبل السيد بيفن خصيصا لمد يد
المساعدة لأية حكومة تتطلب ظروفها مثل
هذه المساعدة. وهو يعمل حاليا في بقعة
واسعة تمتد من إيران إلى السودان
ولكنني واثق بأنه سيكون على أتم
الاستعداد للرجوع إلى العراق لدراسة
الموضوع عندما تسمح له ظروف عمله ذلك.
وقد أعرب السيد أودسلي عن اعتقاده
بإمكانية مفاتحته لوزارة العمل
البريطانية لابتعاث خبير يعمل بصفة
دائمة للحكومة العراقية إذا ما رغبت
في ذلك. وبما أن هذا الموضوع يخص
الحكومة العراقية فأنني لم اتخذ أية
خطوة للطلب من السيد أودسلي للرجوع أو
طلب أحد خبراء وزارة العمل من السيد
بيفن[8][9]
وبامكان الحكومة العراقية إبلاغي فيما
إذا كانت ترغب في ذلك ليتسنى لي
التصرف على ضوء ذلك.
وقبل أن اختم رسالتي أود التطرق إلى
نقطتين مهمتين:
كما سبق لي القول فأنني على أتم الثقة
أن أغلب مسببي فتنة كركوك إن لم يكن
كلهم هم من مصادر خارجية. وأن أسماء
الأفراد المتورطين في هذه الأحداث
معروفة للمتصرف، وأنني على اعتقاد تام
كما أبلغكم بذلك السيد أودسلي أن
الحكومة ستكون من الحكمة لاتخاذ خطوات
فورية لتأمين إخراج مثيري الشغب من
منطقة كركوك. ولا اقترح بالضرورة سجن
هؤلاء الأشخاص ولكن إبعادهم وتأمين
عيشهم في منفى بعيد سيكونان من
الأهمية بمكان.
أما النقطة الأخرى فأن من الضروري
توفير قيادات حكيمة للعمال واستبدال
مثيري الفتن بمواطنين لهم الخبرة في
أعمال الشركة وقد اقترحت الشركة أن
يكون العمال الذين يشغلون هذه المواقع
هم من العمال الذين مرت ثلاث سنوات
على الأقل على عملهم بالشركة وأنني
أعتقد بأن هذا الاقتراح سليم من كل
جوانبه. وأنني على ثقة بأن المتصرف لو
تسلم التعليمات اللازمة فأنه سيجد
الشركة مستعدة للتعاون الكامل معه
لترشيح من يتوسمون فيه الخير ليتم
عرضهم على العمال ويجري إقناعهم
لانتخابهم كممثلين لهم.
إنني أنتهز هذه الفرصة لأكرر وجهة نظر
السيد أودسلي من أن المتصرف ونائبه قد
تصرفا إزاء هذه الأزمة بمنتهى الحكمة
وضبط النفس. والسيد أودسلي يمتلك خبرة
تزيد عن خمسة وثلاثين عاما في موضوع
النزاعات العمالية وقد قدرت لهذا
السبب ملاحظاته الايجابية عن المتصرف.
وفي الختام أود أن أوضح بأنني قد فضلت
توجيه هذا الخطاب إليكم بدلا من وزير
الاقتصاد، حيث لم يستطع السيد أودسلي
نظرا لضيق الوقت أن يجتمع إلا بكم
ولإلمامكم بخلفية الموضوع. وأود أن
أكرر على مسامعكم ما ذكره السيد
أودسلي بأن أولوياتنا ليست الحفاظ على
مصالح الحكومة البريطانية في هذا
الموضوع بل للحفاظ على مصالحنا
المشتركة ولوضع الأسس المقتضية لترسيخ
الوضع العمالي في عموم القطر بالشكل
الأمثل. ولحين تحقق ذلك فأنني أخشى أن
تكون الفرصة مواتية لتكرر مثل هذه
المخاطر مستقبلا مما يؤثر سلبا على
الواقع السياسيي والاقتصادي في
البلاد. وكما تعلمون فأن الحكومة
العراقية كانت تحصل على مبلغ ما يقارب
أحد عشر ألف دينار عراقي في اليوم
كرسوم امتياز وقد انخفض الإنتاج بسبب
هذا الإضراب إلى ما يقارب النصف مما
أدى إلى خسارة الحكومة العراقية لمبلغ
خمسة آلاف دينار عراقي في اليوم
تقريبا في حين كان من الممكن استخدام
هذا المبلغ في أمور نافعة مثل تسيير
حافلات نقل الركاب في كركوك مثلا. كما
أود الإشارة إلى أهمية التعامل مع هذا
الموضوع وكل ما يتعلق بالإصلاح
الاجتماعي، وأشير علاوة على ذلك إلى
أنني أتفق في الرأي مع فخامة رئيس
الوزراء حول مرئياته لإعداد خطة لعشر
سنوات مقبلة ولكنني اعتقد أن هؤلاء
الذين لا يريدون الاستقرار للعراق سوف
لن يهدأ لهم بال في الوقت الراهن دون
تسميم الأجواء، إلا أن من المهم
للحكومة أن تزيل كل تبرير للسخط أو
الاستياء من قبل الشعب وذلك بتسريع
الإصلاحات المذكورة. وكمثال لذلك
فأنني اقترح الإسراع في إعادة إسكان
ضحايا الفيضان الأخير في بغداد لقطع
الطريق على مثيري الفتن لاستغلال
الوضع البائس الذي يعيشه هؤلاء الناس.[9][10]
المخلص
هيو ستونهيوير بيرد[10][11]
وكما يظهر من هذه الرسالة فأن الحكومة
البريطانية وشركة نفط العراق لم تكن
راضية أبدا للتوجهات التي تطالب
بتحسين وضع العمال، كما أنها لم تستسغ
إطلاقا حتى توجه الحكومة العراقية
لتهدئة الأوضاع وذلك بسرد التهديدات
المبطنة لتخويف الحكومة العراقية من
مغبة الاستجابة لمطالب العمال أو
تأييد الحد الأدنى من مطالبهم
الشرعية. كما يتضح من هذه الرسالة أن
ما تضمنه البيان الحكومي العراقي من
أن العمال قد عرضوا مطالبهم على وزير
الاقتصاد لم يكن صحيحا بالمرة فأن
الوزير لم يتوقف في كركوك ضمن زيارة
له للألوية الشمالية.[11][12]
وفي تقرير دوري للدائرة الشرقية
بوزارة الخارجية في 16 أيلول (سبتمبر)
1946 قدم إلى الوزير برقم 9317 تم عرض
ملابسات الموضوع والإجابة عن سؤال
الوزير عما إذا كانت شركة نفط العراق
قد عاملت عمالها بالعدل، تكررت نفس
الاتهامات بأن الأحداث كانت بتحريض من
مثيري الشغب كما تم التأكيد في هذا
التقرير أن الأجر اليومي للعامل قد
تمت زيادتهالى 260 فلسا عراقيا مع منح
مخصصات سكن يومية تتراوح بين 50-75
فلسا دون زيادة مخصصات غلاء المعيشة.[12][13]
وكانت الحكومة العراقية قد أوفدت نائب
رئيس الاستئناف في بغداد الحاكم السيد
أحمد الطه للتحقيق حول ملابسات الحادث
وقد قدم تقريرا استطاعت جريدة "لواء
الاستقلال" الحصول على نسخة منه
ونشرته بتاريخ 4 تشرين
الأول(أكتوبر)1946 جاء فيه:
1-
إن عمل
المضربين كان سلبيا ولم يكن ايجابيا،
بمعنى أنهم لم يعمدوا إلى العنف.
2-
لم يكن
في اجتماعهم هذا ما يخشى منه على
الأمن.
3-
إن
الشرطة نفسها كانت تعلم بهم قبل
الحادث وكانت تراقبهم ولم يزيدوا في
اليوم الأخير الذي وقع فيه الحادث في
عملهم شيئا.
4-
إنهم كانوا جميعا عزلا من السلاح.
5-
إن
كل ما قاموا به، أن البعض منهم رجم
الشرطة بالحجارة بعد أن ضربتهم الشرطة
بالعصي وأطلقت النار عليهم وفرقتهم.
6-
إن
معظم القتلى والجرحى قد أصيبوا بعد أن
أدبروا.
7-
إن
الشرطة قد تجاوزت في عملها حد المعقول
في أمر تشتتيت المجتمعين.
8-
إن
الإدارة أوقفت أشخاصا ليس لهم يد في
التحريض على نفس الحادث.[13][14]
وقد أقترح وزير الداخلية السيد عبد
الله القصاب نقل متصرف كركوك ومدير
شرطة اللواء من كركوك، إلا أن رئيس
الوزراء لم ينفذ ذلك بعد أن كان قد
وافق مبدئيا وقيل في وقتها أن هذا
التراجع قد حصل بفعل ضغط السفارة
البريطانية، ويذكر أن المتصرف حسن
فهمي قد توفي في حادث بشع يوم 18
تشرين الثاني(نوفمبر) 1946[14][15]
كما تم فصل مدير الشرطة عبد الرزاق
فتاح من الخدمة.
وقد عز على وزير الداخلية إطلاق النار
على عمال كركوك بدون مسوغ قانوني
وطالب بإنزال العقوبات بحق المذنبين
فلما رفض طلبه قدم استقالته من
الوزارة.[15][16]
ثم ما لبثت وزارة أرشد العمري أن قدمت
استقالتها فقبلت بتاريخ السادس عشر من
تشرين الثاني(نوفمبر) من العام نفسه.