|
الفنان
المغترب – حميد شريف –
والإشراقة
المبدعة ...

بقلم /
فاضل ناصر كركوكلي
كان
الترحال نحو مجاهل ِ الجنون يتطلب ُ تأشيرة َ سفر ٍ صغيرة من أزلام
ِ النظام البائد لتنتشل َ الفنان – حميد شريف – من أعماق ِ الهاوية
بعد َ أن أصبح َ السجال ُ مُستعرا ً بين عيون ِ أعتى وحوش الغدر ِ
في العراق وبين أحداق الفنان المفتوحة على إتساعِها دهشة ً أمام
شحوب ِ ملامح أخيه الأكبروضمور ِ جسده الناحل في سراديب أمن كركوك
التي بدأت تمتدّ ُ خلسة ً الى مسقط ِ رأس الفنان في محلة ِ ( بولاغ
) التي شهدت خطواتَ عائلته المكدودة بشكل يومي للسؤال ِ عن مصيرِ
إبنها المجهول والتي غالبا ً ما كانت تواجه بالإهانات والشتائم
,وهكذا إنقطع َ الحبل ُ الذي أوصلوه عنوة ً من الرحم ِ الى رقبة ِ
الفنان الشاب الممتلئ إمتعاضا ً و غيظا ً لكل ِّ أنواع ِ العنف و
مصادرة حقّ َ الإنسان الطبيعي في الحياة , فغادر العراق وهو لا
يحملُ معه سوى ومضات ُ عشقه النبيل لمدينته مع تفاصيل ِ بعض
الحكايات و القصص التركمانية الغابرة التي سردَتها له أمُه التي
كانت تعتبر ُ، حسب قول الفنان ، موسوعة ً هائلة بالأدب الشعبي
التركماني ..

لقد تأبط
الفنان ُ هذيانَه الفني منذ وقت ٍ مبكر من حياته ِ في أزقة ِ محلة
( بولاغ ) وفي أحضان ِ ( أغا باغي ) و سوق ِ الحدّادين و مدرسة (
القلعة ) ، وفي وجوه ِ آلاف الناس البسطاء و المشرّدين والمجانين
في أسواق ومقاهي كركوك الذين كلّ َ كيانَهم اللظى الحارق لحلم ٍ
أبدي في الإستقرار ِ والعيش ِ السعيد بمنأى عن هواجس الخوف من
مستقبل ٍ مجهول ٍ حالك ، وقد عبَّر الفنان عن هذه الهواجس بعد
رجوعه ِ الأخير من العراق في قصاصات ِ أوراق ٍ ( مجعكلة ) مليئة
بالإشارات ِ والرموز والحكِّ والشطب بأن (( هذه الهواجسُ بالذات
ربما تكون أصل الفلسفة والفكرِ والطقوسات الإجتماعية والدينية ،
فالطفلُ يخافُ من أيّ شيءغريب تلمُسه يداه أو يسمعُه لأول مرة ،
فيندفعُ الى حضنِ أُمه لكي تحميه ....
ربما يكون
أسمى المبادئ التي عرفَها الإنسان لحدِّ الآن هي اللاعنف ... أُنظر
... ماذا يحدثُ في ديارنا الآن من العنف ِ و التعذيب و التهجير
والتفجيرات والإستزلام و تركيع الوطن وقطع الأعناق كلها بإسم الله
والدين والمذهب والشوفينية ، إنها جراحات ُ أهلي و أصدقائي الطيبين
والأطفال الأبرياء الذين يعيشون الآن تحت هذه القساوة الهمجيّة و
الوحشيّة ...
 
فلا
تواخذني إذا قلت ُ لك بأن هذا الصراع البدائي والحيواني سوف يدوم
لأن المفاهيم الخاطئة عن الكينونة ِ الانسانية كُرّست لتحطيم
الإنسان من الداخل ..!!
إن الفنَّ
عندي حِرفة ٌ متأصلة ٌ في الانسان ، ولكنّ َ حدودَ هذه الحرفة
وأبعادَها لاتنتهي فيَّ هنا ... ( إشارة الى رسم قلب ٍ متشظ ٍّ )
.. بل في الرؤية والمفاهيم عن كنهِ الإنسان الذي يمنحُ للعالم ِ
بصماتَه الإنسانية الخالدة ، فالإنسان بدون هذه الرؤيةِ والمفاهيم
والثقافة ِ الإنسانية العميقة عن اشكال ِ الفنون التعبيرية قاطبة ً
يصبحُ فنهُ سطحيا ً و تذوّقيا ً وتجميليا ً و زخرفيا ً يُلبّي قشرة
َ حاجات الإنسان وغرائزه الإستهلاكية فيظلُ الفنُ في مسافة ٍ نائية
ٍ جدا ً عن العمق الإنساني ، الروحي والوجودي ، ..... إنني أُؤمن
بشكل قاطع بالفن التعبيري الذي يتداخل في أعماق ِ الإنسان و خلجاته
ِ بأبعاده ِ اللامحدودة لكي يعبّر عن الزمن ِ المعاش بإرهاصاته ِ
اللانهائية في عمق الماضي ، في الذاكرة وفي الخيال الانساني الرحب
لأن الفن هو تحطيم الازمان و الابعاد من خلال طموحات ِ العصر
ومشاكلهِ الغارقة بمواجع الحروب والازمات و قتل الأبرياء وتكديس
أسلحة الدمار والعنف وإستلاب إنسانية َالإنسان و صراع الحضارات
الوحشية ... أقولها .. ( الوحشية ) .. لأن ( الحضارات الإنسانية لا
تتصارع ) ، بالإضافة الى التغريب الروحي الحالي ومشاكل البيئة ِ
والتلوّث والتجارب النووّية وتجفيف البحيرات و تدمير الغابات ... و
... و... و ... ( هنا كلمات ٌ غير مفهومة مليئة بعلامات الشطب ِ
العنيف و تمزيق الورقة مع تكرار كلمات ... اللعنة .. كفاية ..
كفاية ... !! )

يقول
الفنان ( حميد شريف ) المزدهر بجنونه ِ الجميل في قصاصاته التي
أرسلها لي من إيطاليا والتي حفرها بإزميل ِالقلب و الوجدان بأنه
إكتشفَ التعبيرَ الحرّ والمباشر للفن عن طريق ِ صداقته الحميمة في
كركوك مع الفنان ( ناظم ناصر ) بطرقته العفوية في رسوماتهِ التي
كانت تملأ سطوح الصناديق و الدواليب والأبواب العتيقة و الجدران
الآيلة للسقوط ِفي بيتهم القديم في القلعة والتي كانت زاخرة
ًبالوجوه ِوالأجساد الإنسانية المعبّرة عن الموروث الحضاري والبيئي
والتأريخي و بمواضيع غارقة بالألم الوجودي و بالمسرّات القادمة ،
وقد تركت فضاءات ُ لوحاته ِ و رسوماته بإنشاءاتِها الخاصة على أديم
ِ المادة ِ الطبيعية التي تصارع ُ الزمن على البقاء ِ حيّا ً في
داخل ِ كياني ترتيلا ً حافلة ً بالقيم ِ الروحية الفطرية التي كنت
ُ أبحث من خلالها بلهفة ٍ عن حقيقة ِ الأشياء الغامضة بقوّةِ
التركيز والعقل والحدس لأساهِمَ فيما بعد عن طريق ِ الفن على تبديد
ِ الظلام ... !!
إن القيمة
َ الأساسية لفن ( حميد شريف ) هي إقتناص ُ تأويل فنّي معين و محدّد
في المحيط المهمل وفي بيئة ٍ ذات طراز ٍ خاص عابق ٍ بنكهة ٍ
تأريخية وفنّية مشحونة بدلالاتِ التوظيف المعرفي والجمالي (
العلاقة بين الشكل المحدّد والإيحاء الغير المحدود ) والتي غالبا ً
ما تؤطر ُ سماتا ً محلية إستقت جذورَها من صمت ِ الأشياء التي تحمل
ُ قِدمِها ( تعتيقاتها الطبيعية ) من نسوغ ِ الزمن المتحرك ،
فالفنان ُ هنا يغرف ُ من جنونه ِ اللوني عالما ً متآكلا ً يتسارع ُ
مع اللحظة ِ الضّاجةِ بالاستمرار و النبض ِ و الحيوية ليعلن َ
صارخا ً عدم إنفصاله ِ عن أبعادِ الزمن متمركزا ًبين لحظة ِ الثبات
( الموت ) ولحظةِ الاستجلاءِ الأبدي في كينونة ِ المادة و طاقاتها
الكامنة في الوجود ، فيصبح ُ الفنانُ في هذه الحالة جزءاً من أعماق
ِ لوحاته التي تقاوم ُ الصمت َ والموات ، ففي خضمِّ هذه الحركة
الضّاجة ِ بالحياة لانجدُ إطلاقاً في لوحاته ِ المُنجزة ، سواءَ
بالإكريل أو بالزيت أو بالمائي ، مساحة ً لونيّة ً لم تُعالج فنيّا
ً بالبُعد ِ التخيّلي أو بالعمق الدلالي واللّوني ، لذا فإن
إمكانية َ تشتيت البصر ضمن هذا الموتيف وهذه الصياغة تجدُ مناخَها
بقوة ِ التناسب ضمن أجزاء اللوحة بشكل ٍإنفعالي مشحون ٍ بطاقة ِ
الفنان الذي يَنفر ُ تماما ً من عملية ِ ( بؤرة البصر ) والإضاءة
المركزية الخارجية ، لأنه يُقيم في أغلب ِ أعماله علاقة َ تآلف
مشبع بالإضاءة ِ الداخلية في جلّ محاورِ اللوحة ، إن لم أقل كلها ،
بشكل يقترب ُ بإطراد الى إقتحام ِ التألق الصوفي ، لقد كتب الفنان
في قصاصاته الآنفة وبكلماتٍ مشروخة و (معتّقة ) عن هذه الطقوس
الخاصة في العمل الفني مستعينا ً بالمفردات الصوفية عن العالم (
الإفتراضي ) الذي يتسامى بالصحوة ِ و الإختراق ِ والشطحة ِو السُكر
والإشراق والتجلّي وكأنه يتحدث ُ عن لوحاته بالذات في عملية الخلق
الفنيّ حيث يتحول ُ الجزء ُ الى الكلِّ والكل ِّ الى الوحدة ، و إن
هذه الوحدة في الفن تماثل ُ تماما ً الشهقة َ الاولى و الدهشة
الاولى لطفولة ٍ مجبولة ٍ بالبراءة لذا فإن ( أطفال ُ البشرية
كلُّهم ملائكة بغض النظر عن الدين ِ والجنس ِ واللون ِ ) فالفنان
الحقيقي يختصرُ ( بالمجاهدة ) الفنيّة مسافة َ اللقاء مع القديسين
كلما يقترب للوحاته ِ عاطفيا ً و حسيا ً فيصبح ُ أكثر إخلاصا ً
ووفاءً و تواضعا ً مع محيطه الإنساني ، وإن هذه اللغة ُ المُباحة
للمبدعين َكافة ً تزداد ُ بلاغة ً و تعبيرا ً من خلال ِ المخزون
الفكري و الثقافي للفنان الذي يغالب ُ سطوة َ الإداء ِ بالمران ِ
والممارسة والتعايش والمراوغة وحتى التحايل على أدواته الفنّية
لأجل ِ إستنباط قابلياتها المجسّمة والمركّبة ، الخشنة والسّديمية
، ...
فالتعبير
العميق عن جوهر ِ الفن يحتّم على الفنان الولوج َ لروح ِ التجريب
في عصرنا الحاضرفإذا كانت اللوحة تعكس ُ الثقافة البصرية بشكل ٍ
مباشر عن البيئة ِ والميثولوجيا وعن ما وراء الحداثة التي شهدنا
ملامحَها في إطار ِ العولمة الحالية فإن هذه البيئة وهذا الإرث ُ
المحلّي الخاص عند شعب من الشعوب يتطلب ُ إبراز َ حيثيات العمل
الإنشائي( )instslation
وإكتشاف َ إدائه و
أدواته الخاصة ، وهذه النقطة ُ بالذات تكتسب ُ أهمية ًإستثنائية
ليتجاوز َ الفنان العمل المسندي التقليدي في المرسم و يغادر َ، بلا
رجعة ٍ أسلوب َ الحداثة الذي توقف فيها الفن ُّ العراقي منذ
الستينات والذي إستلهم ، والحق ُّ يُقال ، طُرقا ًتعبيرية ً متنوعة
و ثريّة في توظيف ِ المفردات الدينية والتراثية والحروفية
والأساطير
الرافدينية
والحكايات الشعبية والتجريد ( الموندرياني والكاندينسكي ) في أعمال
ٍ أعاقت الآن بعد هذه العقود وأثقلت حركة الفنان في معادلة ِ
الإصالة والمعاصرة نحو إستشراق ما بعد الحداثة ِ التي طرأت على
الثقافة البصرية وعلى مستوى تدميرِ الحدود بين الفنون كافة فالفن
التعبيري الأصيل في عصرنا الحالي هو الفنُ الذي إنسلخ َ من جاذبية
ِ الفن المؤسساتي ومن دوائرِ الإحتكار ومن مفهوم الأنتلجسيا
الفنيّة بإتجاه ِ مخاطبة عمق الروح التي نفتقدها كلُّنا بلا
إستثناء والتي تقيمُ الآن دفاعاتهَا أمام هيمنة ِ الحاسوب و
الإسمنت والأرقام الجامدة بقوةِ وجودِها التأريخي و بوظيفتِها
الإجتماعية التي سوف تُساهم بلا شك في الخلاص ِالكلّي من أدوات
الحروب وفي السيّرِ قُدما ً نحو إحداث سوء تفاهم ٍ أقل بين البشر
أمام محنة ِ الإغتراب التي بدأت تتحكّم على كينونة الإنسان ،
فالمفاهيم ُ التي يطلقها النقاد ُ العراقيون عن الفن في عصرنا باتت
تهدّدُ إنجاز َ الفنان على صعيد ِ تنظيم الأجزاء المتفاعلة
والفاعلة داخل نسيج اللوحة المبدعة لأنها مفاهيم ٌ تكتفي بالسيرِ
مترادفة ً مع العمل الفني المبدع في حين َ يتطلب ُ من النقد الفني
أن يقود َ الفنان َ نحو الرؤية والحلم والإستشراق فضلا ً عن إضاءة
ِ محاور اللوحة الفنيّة وفضاءاتها و أبعادِها ...
لقد طرأت على هذه
المحاور بالذات كشكل ٍ من أشكال ِ أدوات التعبير الفنيّ منذ
الكلاسيكية و الرومانسية و الطبيعية والواقعية إنقلابات ٌ فنيّة
هائلة على مستوى التعبير أخرجت الفن التشكيلي من أُطر ِ ( محاكاة
الطبيعة ) الأرسطية ومن حدود ِزاوية النظر ومستوياته ومن محاور
الهيكلية الهندسية في معمار ِ اللوحة الفنية فدمّرت ، بلا أسف ،
قيود َ الفن المؤطر بالأشكالِ المتناسقة والمتضادة والمتناظرة التي
غيّبت لقرون عديدة آلية َ عمل الوعي الباطني وإمكانياته اللامحدودة
في الكشف و الاستجلاء ..
وأودّ ُ القول أيضا
ً بهذا الصدد بأن نظرية محاكاة الطبيعة لا تعني أبدا ً ، عند بعض
الدارسين ، تكريس َ المحاور الآنفة على صعيد الشكل الكلاسيكي ، بل
تعني إستلهام َ التحولات الداخلية التي تطرأ في الطبيعة
وإنعكاساتها الجيولوجية والاركيولوجية في الفن بحيث يبدو عملُ
الفنان تأريخا ً من التحولات في مستوى الداخل ِ والعمق ِ والأديم
والتمظهر الجوّاني المتسارع مثل ومضة ٍ خاطفة في الزمن ، ولا تعني
هذه الومضة ُ حتما ً التماثلات الخارجية في مظهر الاشياء أو في
المحيط الخارجي كتنقلات الضوء و تغيّراتها المفاجئة في قشرة ِ
الطبيعة التي أشبعَها الإنطباعيون دراسة ً وتمحيصا ً في أعمالِهم
وخصوصا ً ( بيسارو و رينوار و مونيه ) مع إحتفاظهم بالمحاور
ِالإتباعية التي حطّمها ( سيزان ) بقسوة من خلال منظوره ( المادي )
والكتلوي المقرون بروح ِ التمرد التي أسست فيما بعد بُنية َ
التكعيبية في الفن ، .. !!
فهذا الملمح ُ ، مع
ملامح ٍ أُخرى أنطباعية ، وجَدَ تناصّاتهَُ البصرية ( الإحالية )
في أجمل ِ وأروع ِ لوحة ٍ رسمَها الفنان ( حميد شريف ) وهي لوحة (
شجرة في كركوك ) التي تتميز ُ عن باقي لوحاته ِ بروحِها الإحتفائي
و التأصيلي الثري وبصياغتِها الجمالية والمعماريّة
الإستثنائية التي وُلدت من خلاصة ِ مخاض ٍ طويل ٍ في إتباع منهجية
تعبيرية – إنطباعية في الرسم الحرّ والإنفعالي الذي تجلّى في لمسات
ٍ لونيّة غاية في التنويع ِ الهارموني والإنسجام ِ العفوي وفي
الصياغة ِاللونيّة النابضة بالحركة و الحياة...

إنها بحق
تقاسيم إحتفالية تعكس ُ الروح َ الملتاعة على مدينة ٍ أفقرها
الجدبُ واليباب ولكنها في نفس الوقت بشارة ٌ بالإنبعاث المقاوم
وبالتجدد الأبدي ضد الموت والفناء ، إنها لوحة ٌ تذكرنا من بعيد
بلوحة ِ ( الشجرة القتيلة ) لجواد سليم مع الإختلاف في المضمون
والمعالحة ، فالشجرةُ القتيلة تعكس ُ دورة الحياة الابدية ( الحياة
، الموت ، الإنبعاث ) ، بينما ( شجرة في كركوك ) تتناول الحياة
المتجددة الشامخة بآلية داخلية ، حيّة ومزدهرة تلقائيا ً، لأنها
تصنع ُ نفسها بمعزل ِ عن المؤثرات الخارحية و قوانين الطبيعة ، أو
بالأحرى ، إنها تستعيد ُ ذاتها و تنتح كيانها بإستمرار و بحيويّة
مليئة بالرونق ِ والجمال الأبدي ...
إنها شجرة
ٌ وحيدة و متفرّدة ولكنها في الوقت نفسه غابة ٌ عظيمة تتنفس
بالإشراق و الأمل ، فالفنان يكتشف ُ هذا المرادف الموضوعي للتجدد ِ
من خلال بحثه المستديم عن افكار ٍ و مفاهيم متجددة عن حقيقة ِ الفن
منذ يفاعتهِ في كركوك ، و كان هذا الإكتشاف حتميا ً و موضوعيا ً
إذا إطلعنا على إنجازات جيل الستينات في كركوك و تمرّده على الأُطر
ِ التقليدية السائدة والذي قدّم ذُخرا ً فنيّا ً و أدبيا ً للجيل
السبعيني بأمانة ٍ قل َّ نظيرُها ، إذ كانت اللقاءات المتنوعة بين
المثقفين في المراسم ِ والمسارح والمقاهي و المكتبات وفي محترفات
الخطاطين وفي البارات والمحافل الأدبية والندوات والمعارض قد تركت
آثارَها و إمتدادها العميق الى الجيل اللاحق فضلا ً عن هيمنة ِ
الأحداث السياسية المحملة بالتمردات العاصفة على مستوى العالم
والتي أشعلتها ضراما ً دهاقنة ُ الأدب والنقاد العالميين ( بوريس
بوريسوف – هربرت ريد – والاس فاولي – كولن ولسن – مكسيم رودنسون –
روجيه غارودي – هربرت ماركوزه – سارتر – هنري باربوس ) بالإضافة ِ
الى تطور فن الملصق ( الپوستر) والفنون التعبيرية الألمانية و
جاكسون بولوك والفن النفعي ، ناهيك عن إطلاع ِ الفنانين التركمان
خاصة ً على الأحداث العاصفة في تركيا التي شهدت إنقلاباتا ً هائلة
في أغاني البوب التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة في أغاني ( جيم
كاراجا ) و ( بارش مانجو) و( أديب آق بايرام ) بالإضافة الى إنبثاق
المطرب الشعبي التركماني ( هابه ) لذا ...

( كنّا
نتجاوز حتى المدارس َ والتيارات الفنيّة الحديثة ، كنّا متمردين
على التقاليدِ والفن التقليدي وفناني البلاط الذين كانوا يحملون
أديولوجياتا ًجافة وجامدة وغير إنسانية إطلاقا ُ ..... كنّا نقف
أحيانا ً على سطح بيت واسع تحت ظلِّ منارة ( النبي دانيال )
ونتأمّلُ عمق مدينة كركوك حيث تغرقُ الكنيسة الحمراء في شلال ٍ
ضياءٍ مَهيب ونشهد ُ الطيور في أديم السماء الزرقاء وهي تنحدرُ
بغتة ً بإتجاه قناة ( خاصه صو ) اليابسة والعطشى عطش أهلها الى
الحريّة ِ والإنعتاق ، ففي تلك اللحظات النادرة كنت ُ أعتقد ُ دوما
ً بأنني وُلدتُ لخدمة الحياة فأسأل ُ نفسي مراراً عن اكثر الأمور
نفعا ً فيها فلا أجد ُ عملا ً يستحق ُّ التقدير على مستوى الروح
أكثر من الفنون و الادآب ) ....
نعم ... هذا ما
يقوله الفنان ( حميد شريف ) بعد عقود ٍ أربعة و نيّف من المؤثرات ِ
الفنيّة في حياتهِ وعن الينابيع العميقة التي إستقى منها في عمله ِ
الفنيّ الدؤوب الذي بدأ من الاحلام والآماني الواسعة ومن الاشكال ِ
النابعة في الحيطان ِ القديمة ومن الأحجار ِ و تكويناتها الطبيعية
التي تنبثق ُ في البقع الرطوبية على جدران ِ البيوت و الممرات
المعتمة ومن أرضية الإيوانات المرصوفة ِ بالأحجار المتآكلة في
مدينته التي حملها ، ولازال ، يحملها معه ليجوب َ بها بقاع الأرض
كأوّلِ مؤثر حقيقي في حياته ِ أعقبته ُ تأثيرات ٌ فنيّة علميّة و
دراسات معرفية لا حصر لها عن أساليب ِ الفنانين العالميين في
فلورنسه بايطاليا ، فكان – مايكل أنجلو – بوتشيللي – والمرحلة
الرومانتيكية وخاصة ( جريكو ) و ( تورنر ) و ( ماكست إرنست ) و (
كاندينيسكي ) و ( پول كلي ) والكتابات التحليلية عن الفن ، ثم
مرحلة ( دوبوفيه -
Dubuffet
) و قوة ُ إنفعاله ِ التلقائي و إيمانهُ
بالصدفة ِ عن طريق ِ خَلط المواد ونتائجه من التلطيخ ِ والبُقع
والتشويه و إستخدام العجينة اللونيّة السميكة بأسلوب ِ الكتل
والحكّ ...
بالإضافة الى نظرية
الفنان الألماني (Josef
Beuys ) مع
مؤثرات ٍ أخرى لايسعُها هذا المقال ُ المقتضب غن الفنان ( حميد
شريف ) الذي تعثرّ بالفن فهوى نحو الصعود والتألق ...
وهكذا .. لملمتُ
قصاصات َ الفنان ( حميد شريف ) و رسائله المبعثرة التي بعَثَها لي
من إيطاليا من فوق ِ طاولة الكتابة ِ منهكا ً ووضعتُها في ( أعلى )
رفٍّ من رفوف ِمكتبتي ... !!
فاضل ناصر كركوكلي
گوتنبورگ ـ السويد
بيوگرافيا
...
-
ولدالفنان ( حميد شريف ) في محلة بولاغ ( بولاق ) في كركوك .
- 1977 –
معرض فني مشترك مع الفنان ( نورالدين ناصر ) في قاعة دار الثقافة
الجماهرية .
- 1978 –
معرض مشترك مع فناني كركوك – دار الثقافة .
- 1979 –
غادر الوطن رافضا ً عبودية الفكر الى ايطاليا
- 1980 –
إستقر في مدينة فلورنسا – إيطاليا .
- 1984 – معرض شخصي
في قاعة (
scorpione )
فلورنسه .
- 1987 – معرض شخصي
في قاعة (
stazione di zima
) فلورنسه .
- 1991 – معرض شخصي
في جزيرة (
sardegna ) .
- 1992 – معرض شخصي
– الفن للفن – (
Galleria ilpunto
) فلورسه .
- 1993 – المحاولة
الطقسية في كهف (
instalation
) – الفن التركيبي او خلق بيئة في قاعة العرض – امستردام – هولندا
.
- 1993 – المواد
المختلطة (Gallery
Billed Kunst
) دانمارك –
كوپنهاگن .
- 1994 – لغز
التراجيديا او لغة التراجيديا (
Gallery 4
) بريطانيا – لندن .
- 1995 – التشكيل
الجديد ( Renes
Gallery )
امريكا – نيويورك .
- 1995 – البحث
اركولوجية الذاكرة (
Galleri pella immagini
) فلورنسه .
- 1997 – البدائية
الجديدة – تخطيطات بمواد مختلطة – (
The Art Spaes Gallery
) استراليا
– مدينة (
Brisbane ) .
- 2007 – البحث عن
آثار –
Archeoloci
– شعب ٍ انقرض معرض شخصي (
Antropologi
) .
كما شارك في معارض
جماعية عديدة مع الإيطاليين و العراقيين ومن بلدان اخرى ...

ملاحظة/ بعد سقوط
الطاغية في العراق و إيمانا ً من الفنان بالفن الذي يعتمد ُ على
سلوك الجسد (
per formanc
) إستأجر الفنان عمالا ً وقام بتنظيف مدينة – كركوك – من شارع (
جوت قهوه ) وحتى حديقة القلعة الواصلة الى ( سوق الحصير ) ... !!
|