|
تعرفت على الشهيد
الخالد نجدت قوجاق عندما كنت في أوائل دراستي بكلية الحقوق
في بغداد. كان طالبا في كلية الزراعة بأنقرة ولم تكن
الظروف لتسمح بتعارفنا وارتباطنا بهذا الشكل لولا إرادة
الله. وقد بدأت الشرارة الأولى بطلب بعض الكتب الثقافية
واختياره لي لإرسال مجموعة من الكتب لأوزعها على أصدقائي
الذين تهمهم القراءة. وبدأت بذلك تلك العلاقة التي أشعر في
قرارة نفسي أنها نادرا ما تتاح لاثنين من البشر.
كان أكبر مني
ببضع سنوات، وقد انخرط في سلك التدريس لفترة قصيرة في
كركوك، إلا أنه كان يطمح إلى الدرس والاستزادة فالتحق
بكلية الزراعة في أنقرة وشاءت الأقدار بذلك أن نكون طلبة
نفس الفترات الدراسية. أصبحنا طلبة، ولكن موهبة التدريس
التي كانت فيه لم تتركه بتركه المهنة بل استمر معلما
لجيلنا ولكل الأجيال القادمة.
لقد كان إنسانا
فريدا من نوعه لم يحد قيد أنملة من مبادئه وأفكاره وكأنه
خلق ليلهم الآخرين الاستقامة والمحبة والرحمة، وكان على
ثقة بان قوة خفية قد اختارته لهذا الدور فأبدع فيه وأوفى.
وعندما تتذكر نجدت قوجاق فأنك تستذكر قبل كل شيء الاستقامة
في وقت أصبحت فيه هذه الخصلة أحيانا من مخلفات الماضي،
وأنت تعلم آنذاك ما عاناه هذا الإنسان والقائد وتعلم لماذا
يستذكر الإنسان على مر الأجيال اللاحقة معاني الاستقامة
عندما يقرأون ملامح شخصية نجدت قوجاق.
إن الذكريات التي
تقاسمناها معه لا يمكن أن تخط في أجزاء ومجلدات، فعندما
فارقنا لم يكن شعوري يتلخص في فقد رفيق عمري وقائد أحلامي
وأماني فحسب، بل شعرت بأن روحي قد استلت من الجسد وقذف بها
في هاوية سحيقة. وكان من الطبيعي أن أفقد أي معنى للحياة
بعد فقده، ولكنه هو الذي مد لي يد النجاة من أزمة الروح
عندما استذكرته وهو يقرأ أول أذان في أذن ابني البكر ويقول
لي: تذكر بأن هذا طريق طويل، يجب أن نسير فيه باستمرار حتى
لو تخطفت أحدنا المنون، سيأتي اليوم الذي يقيمنا فيه الناس
بمقدار ما زرعنا في نفوسهم من حب واستقامة.
زرع بذور
المباديء والعقيدة، هذا ما كان يشغله أولا وأخيرا، كان
بذلك لا يلتفت إلى الأخطاء إطلاقا بل يحتضن الصواب وكل ما
هو صواب، لم يكن يهمه أن يكون إصلاحيا بل أن يخاطب النفوس
مهما تغيرت ملامحها، كان همه الإنسان. وقد يكون ذلك سببا
في اختلاف بعض من كانوا قريبين إليه في وقت ما معه وتركهم
للنهج الذي اختطه. كان البعض يحذرونه من الثقة بشخص ما
فكانت علامات الحيرة تظهر على وجهه فلم يكن في مقدوره أن
يتصور أن شخصا شد على يديه واستمع إليه بآذان صاغية يمكن
أن يكون قد انحرف عن جادة الصواب، فقد كان دستوره أن يحب
كل شخص ولا يرى عيوبه، فإذا ما تراءت له إشارات غريبة في
شخصية هذا الفرد قام بتأويلها بحساسياته المعروفة ويحاول
أن يظهر بأن الآخر على حق. وقد تكون خسارتنا الفادحة قد
نتجت من بعض هذه الأمور، فقد شهدت معه إشارات خاطئة وحذرته
شخصيا من قسم منها ومن احتمال تعرضنا لطعنة في الظهر، فلم
يستطع أن يظهر اقتناعا بذلك. وعندما استذكر ذلك حاليا أرى
أن رد فعله في مجمل شخصيته كان طبيعيا جدا، فقد كنا حفنة
من البشر، أما هو فقد كان وجودا مد يده إلى عالم الملائكة،
لا يسمح للأخطاء البشرية أن تعكر صفوه، إنسانا تحمل وديعة
ثقيلة ينوء تحتها البشر.
وقد جرى بيننا
حديث لم يسبق أن صرحت به لأحد، فقد كنا في خضم حوار فكري
ممتع عندما ابتسم وقال لي: أريدك أن تكتب كتابا اخترت اسمه
بالفعل، فليكن ذوي الأردية الزرقاء.
كان يترجم ما في
فكره من أهداف، فقد كان ديدنه أن يجتمع ذوو الأفكار
النيرة، أحبته الذين يتمسكون بالاستقامة والذين يحيون بهذه
الأفكار وتتجذر فيهم بذور الاستقامة وحب الخير والتضحية
ونبذ المصالح الشخصية الضيقة، وكان يريدني أن أطلق على
هؤلاء الناس اسما محببا.
كنت آنذاك شأني
في ذلك شأن كل شباب جيلي مولعا بالأدب والشعر، فعندما
جاءني هذا التكليف علمت أنني وبغض النظر عن كتابة كتاب أو
رواية فعلية في يوم ما، فإنني يجب أن أتفرغ للكتابة
الهادفة والمعمقة التي تفيد الناس وتحبب الناس فينا، وبذلك
فقد ميزت بين المصالح الضيقة وتلك الأهداف العلوية وعندما
رأيت أفعال بعض الناس الذين كنت على اعتقاد بأنهم مقربون
منا ورأيت منهم تناقضا بارزا في أهوائهم وحركاتهم فقد
اقتلعتهم جذريا من نفسي فقد كنت غافلا بعض الشيء واستيقظت.
إن البعد المعنوي
الذي وصله هذا الإنسان الهادف كان إلى درجة آذته في بعض
الأحيان، ويعلم بعض المقربين منه قصة تلك الأحلام التي
كانت تراوده، فقد كان الحلم بتفاصيله التي كان يرويها لي
أحيانا في درجة من العمق والتجسم والصدق بحيث لم أكن لولا
أنني أعلم دخيلة نفسه تماما لأعلم عما إذا كان يروي لي
حلما أم مشهدا حقيقيا عاشه شخص. وأعلم أن هناك من حذره من
التعمق في ذلك فقد كان يصل إلى درجات عالية من الانصهار
المعنوي أحيانا بحيث كان رجوعه إلى خط الحياة الاعتيادي
وانسلاخه من ذلك المنحى ذا تأثير موجع عليه.
لم تكن استقامته
هي التي تملأ الآفاق فقط، بل صداقته أيضا، فلم يكن يتردد
أن يفعل أي شيء لا يغضب الله لأجل صديقه. فلم يكن له من
كابح إلا متطلبات مبادئه، فإذا كان من هو أمامه شخص يشاطره
نفس الفكر والأهداف فلم يكن ليحتاج لأن يطلب، بل كان يخطط
وينظم لإسعاد ذلك الشخص. كانت صداقته تضم في طياتها أقصى
درجات الرحمة. فعندما كنا نسافر سوية في رحلة شاقة لم يكن
يهمه أن يغفو، بل كان يفضل أن أتوسد كتفه لأنام. لم يكن
عمره هو الفاصل في ذلك فقد كان دوما لأحبته أخا كبيرا
وبحنو الوالد وكأنه يسقي الآخرين رحيق الحب والمودة قطرة
فقطرة. ولذلك فلا عجب أن كان الكثيرون ممن يكبرونه سنا
يسمونه بأخي الكبير.
لقد قضينا حوالي
العشرين عاما معا، واستطيع أن اقول بأنه لم يظهر أي استياء
مني ولكنه لم يفعل أي شيْ إطلاقا مما كنت لاعتبره شرخا في
القلب ولا غرو، فلم يكن ذلك بسبب حبي المطلق له وارتباطي
الكامل به وتقديري له، بل لأنه لم يكن يتقن الاستياء أو
الغضب أو الإساءة إلى أي أحد. وفي خلال هذه السنوات
العشرين فأنه كثيرا ما كان يصارحني بأعمق خلجات نفسه، بل
يطلعني على أكثر أسراره المنزلية قدسية وخصوصية. ولكنه لم
يطلب مني يوما ما يفعله الآخرون بين بعضهم البعض من طلب
كتمان هذا أو ذاك، فكأنه قد اختط دائرة بيانية لجأ اليها
وضم لها كل من كان يحبه وكل من يثق به.
كان من أشد
الروابط التي تجمعنا أيضا حبنا للقراءة، فقد كان من النوع
الذي يمكن أن يقرأ عدة كتب في آن واحد. فقد كان يلتهم
الكتب الفكرية والمعمقة التهاما بقراءة لا يفوته منها أي
شيء، ولكنه كان يقرأ الأدب وحتى الروايات أحيانا. إلا أنه
كان يقدم الكتب الفكرية على كل شيء، فكان يحب ليس قراءتها
فحسب بل جعل الآخرين يقرأونها. وكنا نقرأ أحيانا في كتاب
واحد طيلة الليل. ولا أنسى أنه أهداني في مقتبل إقدامي على
قراءة الكتب الجادة كتابا اسمه "في بلاد الزنبقة البيضاء".
وكنت كلما أقرأ في هذا الكتاب أراه متجسدا في أفكاري. فما
أراد سنيلمان أن يفعله في فنلندا في هذا الكتاب كان جزءا
من أحلامه هو، فقد كان شغله الشاغل تنشئة الفرد. ولعل
الذين كانوا يعرفونه عن كثب يتذكرون مشاريعه الخمسة
الكبار، فقد كانت كل هذه المشاريع التي تزين أفكاره تستهدف
تنشئة الإنسان والجيل، كانت أحلامه في أن يرى مزرعة
ومستشفى وصحيفة ودارا للنشر ومدرسة. كانت إشارات ربما تقصد
بها أن يبعث برسالة فكرية بها إلى الأجيال القادمة. ولعلنا
نسير على نفس الخط مستلهمين ذلك البعد وذاك الأفق فيما
نعمله حاليا جميعا.
كان حبه للكتاب
منقطع النظير، ولذلك فقد أدركت بعمق ما كان يعنيه عند
لقائه الأخير مع أفراد عائلته قبل أن يمشي بخطى ثابتة إلى
منصة إعدام الطغاة، فقد أوصى بأن تعهد كل كتبه إلي شخصيا.
لقد بعث بذلك مرة أخرى برسالة عز على آخرين فهمها، مفادها
بأن كسبنا للمستقبل لا يكون إلا بما يعود بالنفع على تنشئة
الأجيال القادمة. لقد سمعت بالوصية وها أنا أكررها هنا
كوصيتي بأن تعهد هذه الكتب نيابة عني إلى مؤسسة وقف كركوك
للثقافة والأبحاث والاحتفاظ بها هناك ككنز معنوي يدل على
العمق الفكري لهذا الشهيد البطل الذي ضحى بنفسه من أجل
أهله وقومه وبلده، إنها وصيتي أيضا. |