|
ملحمة بطولية لتركمان العراق عام 1948م
إبراهيم أوجي
العراق .. مهد الحضارات والقيم البطولية ،
موطن الشرائع والقوانيين ، بلد الشموخ والتحدي
الذي تحطمت على صخرته كل الغزوات عبر التاريخ
، هذا البلد الواحد الموحد الذي ضم شرائح
مختلفة قاوم التفرقة على مدى العصور التاريخية
قائلآ كلمة واحدة ( لا ) للتجزئة والفرقة بين
ابناء الشعب الواحد و ( نعم ) للرافدين
العملاقين وحماية مقدسات أرض الأنبياء وال
البيت الطاهرين .
مازال تركمان العراق على خطى أجدادهم العظام (
نجم الدين الزنكي وعماد الدين ونور الدين
اتابك ومظفر الدين كوكبوري وايلغازي ودمير طاش
وظاهر بيبرس ومودو ) والذين يعود لهم الفضل
الكبير في صد وتحطيم الحملات الصليبية (
العالمية ) الشرسة وعددها ( 9 ) تسع حملات
استمرت اكثر من ( 200 ) عاماً، حيث اسميتها بـ
( العالمية ) لانها كانت فعلاً عالمية، اذ
شاركت فيها كل اوربا ضد الشرق المسلم، ولكنها
توجت في النهاية بالنصر العظيم للمسلمين
بقيادة المجاهد صلاح الدين الايوبي محرر القدس
الشريف من رجس المعتدين الصليبين . مسك الختام
لكل هذه الاعمال الجليلة والجبارة التي قدمها
التركمان للأمة المحمدية والإنسانية، يترجمها
اليوم أحفاد تركمان العراق الأوائل بملاحمهم
البطولية ايضا وهم يتصدون ً للصليبين الجدد (
الصهاينة ) في فلسطين ومحاولة طردهم من ارض
الانبياء والمقدسات على سيرة اجدادهم الاولياء
والصالحين .
لنعود الى فلسطين اليوم ومحاولات تحريرها من
الانجاس الصهاينة، حيث كان للعراق والعراقيين
القدح المعلى والشرف والمشاركة الوجدانية
والسبق دوماً في كل المحاولات التي جرت
لانقاذها من القوم الكافرين منذ عام ( 1948) م
.
نعود الان الى موضوعنا ( التركمان وفلسطين )
ومشاركتهم الفعلية في حرب 1948 م
ومحاولةتحريرها بمشاركة الجيش العراقي البطل
الى جانب اخوتهم في الجيوش العربية الاخرى
والملابسات المختلفة التي رافقت عملية التحرير
ونتائجها السلبية وعودة الجيوش العربية الى
قواعدها ثانية بخفي حنين . على عكس نتائج
الملحمة التاريخية التي استمرت اكثر من ( 200
) عاماً كما اسلفنا اعلاه .
لقد شاركت مجموعة كبيرة من الضباط والجنود
التركمان في القتال بجدية ضد القوات
الاسرائيلية في فلسطين اثناء الحرب العربية –
الاسرائيلية الاولى عام 1948 م حيث سطروا
البطولات الملحمية النادرة في قتالهم للعدو
المحتل لأراضيهم المقدسة، فابلوا بلاءا حسناً،
حيث استشهد منهم المئات ممن روت دمائهم
الطاهرة أرض ( القدس وجنين وطولكرم والجليل
والضفة ) أرض أبو الأنبياء إبراهيم وعيس.
وحسبنا هنا نشير إلى أسماء بعض هؤلاء الضباط
مع ذكر الرتب التي كانوا يحملونها انذاك وفي
المقدمة منهم اللواء الركن ( مصطفى راغب باشا
) قائد القوات العراقية في فلسطين، والى جانبه
خيرة ضباط الجيش العراقي من التركمان وهم
العقيد الركن عمر علي والعقيد الركن هادي علي
رضا والعقيد مصطفى يحيى والعقيد الركن غازي
الداغستاني والمقدم الركن عبد الأزل الهادي
والرائد الركن سلمان حسن البياتي والرائد عبد
الله عبد الرحمن والرائد شاكر صابر الضابط
والنقيب عطا خير الله والنقيب صدرا لدين سيد
هادي والنقيب إسماعيل حقي والنقيب شوكت نجم
ألصالحي وم أول ضياء ألخالدي وم أول رضا حسن
طوزلي وملازم قاسم البياتي وملازم فكرت جلبي
وملازم موسى ولي وضمت قافلة الشهداء كل من م
أول احمد ألبياتي والعريف حسن زينل والعريف
واجد حسين و ن ع كاظم حسن و ن ع مراد حسين
كفرلي و ن ع عمران علي والجنود وعرفان خليل
وطالب عزا لدين ومعروف عادل وعدنان والي وشمس
الدين محمد وهاشم نوري وعلي مختار وجاسم محمد
وزين العابدين احمد وفاضل حسن وأميد بهاء
الدين وعطا أنور وعبد الله أحسان وفخري عبد
الباقي وعلي رحمان وحميد طوزلي . وآخرون غيرهم
رحمة الله عليهم حيث دفنوا في مقبرة شهداء
الجيش العراقي في ( جنين ) . و نود أن نشير
هنا فقط إلى الدور البطولي الجريء للواء (
مصطفى راغب باشا ) والذي كلف يوم( 3 تموز
1948) م بقيادة القوات العراقية الزاحفة إلى
فلسطين ومقرها مدينة ( نابلس )، والموقف
الشجاع والعبقرية العسكرية التي امتاز بهما
العقيد الركن ( عمر علي ) في المعارك التي
خاضتها قواته أمام القوات الإسرائيلية . .
بعد استلام اللواء الركن ( مصطفى راغب باشا )
مسؤولية القوات العراقية بشهرين وبالذات في (
15 ) أيلول 1948 . أبدى لرئيس أركان الجيش
العراقي الفريق الركن ( صالح صائب الجبوري )
تأثره واستيائه لسوء الأوضاع العسكرية وسيطرة
الجنرال البريطاني ( كلوب باشا ) على حركات
القوات العراقية والأردنية تنفيذاً لرغبة
بريطانيا في تحجيم دور الجيش العراقي في
مقاتلة الجيش الإسرائيلي . مع استمرار
العمليات العسكرية والنجاح الباهر للقوات
العراقية وهي تطارد فلول الصهاينة ولتكن هذه
القوات بعد أيام من اندفاعها على أبواب ( تل
أبيب ) و لأميال متعددة , نرى انزعاج بريطانيا
وحلفائها في المنطقة من سير العمليات العسكرية
لصالح القوات العراقية الزاحفة وهي تدك أوكار
الصهاينة :أينما كانوا وخوفهم على صنيعتهم (
إسرائيل ) لذلك قاموا بتحريك عملائهم في
المنطقة لإيقاف الزحف العراقي قبل حدوث مالا
يحمد عقباه لهم ولحلفائهم ، ونقصد بذلك
تحريكهم الملك ( عبد الله ) ملك الأردن انذاك
بالتدخل لإنقاذ الموقف سلامة لهم وله .
كما يعرف الجميع، أن القوات العراقية وبقيادة
البطل ( مصطفى راغب باشا ) وصلت الى أبواب (
تل أبيب ) عاصمة الصهاينة وساعة الحسم كانت
آتيه لأريب فيها وكان الصبح لناظره قريب، لولا
إسراع الملك ( عبد الله ) وإصداره أمراً إلى
قائد القوات العراقية بالتوقف وعدم تنفيذ
الواجب المقترح في صباح اليوم التالي بصفته
قائداً للقوات العراقية المشتركة في فلسطين
عندها جن جنون ( مصطفى راغب ) ورد على الأمر
بالرفض، وقد أحتج حينها بأنه يستلم الأوامر من
القيادة العراقية في بغداد , عندئذ اتصل ( عبد
الله ) بالوصي ( عبد الإله ) وافهمه موضوع رفض
( مصطفى راغب ) لأوامره وضرورة إصدار أمر من
قبله بتأجيل الواجب. تلقى اللواء ( مصطفى راغب
) أمر الوصي ( عبد الإله ) بامتعاض شديد ورجا
منه قبول استقالته من هذه اللحظة حيث أرسل في
طلب العقيد الركن ( غازي الداغستاني ) ليسلمه
مسؤولية القوات العراقية بصفته رئيس أركان
القيادة وأقدم ضابط فيها , ليغادر يوم تشرين
الأول عام 1948 م وفي الصباح الباكر مقره
العسكري في ( نابلس ) وبسيارة مدينة على نفقته
الخاصة رافضاً استغلال السيارة العسكرية
الخاصة به بعد أن قطع علاقته بالجيش!! ياله من
موقف بطولي رائع من قائد عراقي تركماني بطل،
يشغل منصباً رفيعاً ويتخلى وبهذه البساطة عن
هذا المنصب المغري بدافع من أيمانه العميق بما
يمليه عليه شرف العسكرية الرفيع من التزامات
كبيرة . ينبغي ان يؤديها بالشكل الذي ينسجم مع
روحه الوطنية الوثابة وحبه الشديد لوطنه
العراق وضرورة الحفاظ على سمعته فيما عرف عنه
الذود عن حياض فلسطين والمقدسات الإسلامية
فيها قبل أن يعبث بها الصهاينة الأنذال .علية
آثر الاستقالة بدلا من الاستمرار في المهمة
الموكولة أليه دون أن يقدم شيئاً كان ينتظره
الشباب العراقي والفلسطيني والإسلامي منه .
بذلك ضرب هذا القائد البطل وعلى خطى الخلفاء
الراشدين والصحابة الأولين مثلا ًنادراً في
التضحية والإيثار والتمسك بما يفرضه عليه
الواجب الوطني المقدس .
قبل الانتهاء لابد أن نعرج على بطولة قائد
تركماني آخر شارك إلى جانب البطل اللواء (
مصطفى راغب باشا ) وهو يهم لتحرير فلسطين من
براثن الصهاينة، إلا هو البطل العقيد الركن (
عمر علي بكر ) قائد معركة ( جنين ) الأسطورية
وصاحب عبقرية الحرب النفسية العراقية المعروفة
( الجندي العراقي يأكل لحم اليهودي ) والتي
أرعبت الصهاينة وجعلتهم يتحاشون القتال مع
سماعهم اسم ( عمر علي ) الرهيب وتوجسهم من
ملاقاة الجيش العراقي .علماً أن فوج ( عمر علي
) لوحده تمكن من إلحاق الهزيمة بلواء إسرائيلي
( ثلاثة أفواج ) وإجبارها على مغادرة ساحة
المعركة وليقلب بعمله هذا القاعدة التعبوية
المعروفة بانه يجب أن يكون المهاجم ثلاث أضعاف
المدافع . فأتني أن أشير إلى القادة التركمان
المؤسسيين لهذا الجيش العملاق ولهم يعود الفضل
الكبير في إنجابه هكذا قادة أبطال يشار لهم
بالبنان وفي المقدمة منهم اللواء الركن عزت
باشا كركوكلي واللواء الركن جعفر العسكري
واللواء الركن فتاح باشا والعقيد الركن نوري
السعيد والعقيد الركن خليل زكي رحمة الله
عليهم .
أن الوطنية الحقيقية والحب الشديد للوطن
وفلسطين والإسلام وآل البيت مغروسة بعمق في
نفس كل مواطن تركماني غيور وسيبقى كذلك بأذنه
تعالى بالرغم من الحقد الذي يبديه البعض
تجاههم ومحاولاتهم الخبيثة من اجل إقصاء
التركمان وتهميش دورهم في العراق الجديد
وحرمانهم من حقوقهم المشروعة كمكون اساسي من
مكونات الشعب العراقي ، ولكن خاب ظنهم والله
خير ناصر للتركمان ومنه التوفيق . |