|
لا بد أن يعلم القارىء أن عنوان المقال هذا له علاقة تامة
بالموضوع الذي كتبه مع بداية القرن الماضي المؤرخ التركي
الكبير (حسام الدين أماسلي) حيث أشار فيه و لأول مرة
بوجود أمارات و عشائر تركمانية كبيرة في العراق سبقت ظهور
الاسلام لقرون. و هما قبيلتي (بان أوق) و (بات أوق) و
رئيسهم يومئذ الباشبوغ بصبهري (بوز بورو) بمعنى الذئب
الأغبر و بعد وفاته تسلم مقاليد الأمور والقيادة أبنه
الأمير باصلوخان (باي صلوخان) و اليه يعود الفضل في مهادنة
القائد الأسلامي خالد بن الوليد أثناء مروره بالعراق
الغربي مع عام (12) هـ و منحه لباصلوخان وثيقة (أمان)
مقابل التوقيع على بنود معاهدة (بان أوقيا) للمصالحة و
تجاوز حالة الحرب بين الطرفين مستقبلا ً. لينقذ بعمله هذا
و حكمته أبناء شعبه من أهوال الحرب و ويلاتها المدمرة.
علما ً أن (بان أوقيا) كانت على رأى المؤرخ ياقوت الحموي
أسم مدينة قريبة من النجف يومئذ و لربما (الحيرة) تيمنا ً
بأسم القبيلة التركمانية الأنفة الذكر و المشهورة يومئذ.
أن الوثيقة أعلاه مهمة جدا ً لتركمان العراق لأنها وضعت
الموازين في نصابها و أجلى الحقائق و أظهرها بعد طمرها
لقرون عديدة مع تقديمها لنا رؤوس أقلام حول حقائق تاريخية
مهمة كانت مفقودة في ظل أصرار الجميع على أن التركمان
أستوطنوا العراق لمجموعات و أقوام صغيرة مع بدايات العهد
الأموي و تحديدا ًسنة (54) هـ الغير المقنعة و الأولى
بشطبها في كل كتابتنا المستقبلية لأجحافها أولا ً وعدم
عقلانيتها ثانيا ً. و مما يعزز وجود التركمان في العراق
قبل الأسلام لقرون أيضا ً ما ذكره المؤرخ الكبير البلاذري
في كتابه (أنساب الأشراف) ج1 عن مدينة (كسكر)
جنوب واسط الحالية على أنها و ما جاورها تركية بالكامل
موطن الصحابية سمية (پامپوغ) أم عمار بن ياسر قبل
نزوح عائلتها الى أرض الحجاز و السكن في مكة المكرمة قيبل
الدعوة الأسلامية لعقود.
الذي يهمنا في زبدة الكلام أعلاها معاصرة الأب بصبهري (بوز
بورو) و أبنه (باي – صلوخان) و حفيده (جميل) لأركان
الأمبراطوريتين الفارسية و الأسلامية في العراق و أشتغالهم
كمستشارين في البلاط و الخلافة معا ً حيث عمل و على سبيل
المثال (جميل بن باي صلوخان) مستشارا ً أولا ً للأمبراطور
(أنو شيروان) حتى سقوط أمبراطوريتهم على يد الأسلام ليناط
له و بعد والده مهمة ألأشراف على الدواوين الأسلامية
كواحدة من أكبر مؤسسات الدولة في حينها و أكثرها حساسية و
دقة حتى وفاته في خلافة معاوية عام (55) هـ.
الذاع اليوم عن (جميل) أنه كان فيلسوف عصره حيث أذهل و
بحكمته الغير الأعتيادية الجميع و كان محط أنظار الأكاسرة
و الخلفاء الذين عاصرهم لطروحاته الفلسفية و الأدارية
القيمة و صاحب القدح المعلى في اركان البلاط و الخلافة و
لابديل له و دليلنا على حكمته القائقة رده على سؤال لكسرى
أنو شيروان بخصوص الأصدقاء و كيفية فرزهم. قال جميل
الأصدقاء ثلاثة أنواع (الأول) كالغذاء و لا نستغني
عنه أبدا ً و (الثاني) كالدواء نحتاج أليه حين
الضرورة و (الثالث) كالداء لا نحتاج اليه أبدا ً.
ثم يقول يا سيادة الملك لا تسأل عن المرء بل أسال عن
قرينه. و لا تيأس يا عظيمنا أذا تعثرت أقدامك و وقعت في
حفرة واسعة حيث تخرج منها و أنت أكثر ثباتا ً و قوة. أبتسم
انوشروان لأقواله ليقول له (حقا ً أنت حكيم العصر و لا
بديل لك).
يروى عنه أيضا ً أن الأمام علي (ع) يوم نزول النهروان سأل
عن (جميل بن باصلو خان التركي) مستشار كسرى أيان حكمه في
المدائن (طيسفون) فقيل له أنه حي يرزق فأمر بأحضاره فلما
حضر وجد حواسه كلها سالمة الأ بصره و ذهنه و قريحته تامة.
سأله الأمام علي (ع) كيف ينبغي للأنسان يا جميل ان يكون ؟
يجب أن يكون قليل الأصدقاء كثير الأعداء.
قال الأمام علي (ع) أبدعت يا جميل. فقد أجمع الملأ أن كثرة
الأصدقاء أولى ثم قال علي قد أمتحنت هذا فوجدته صوابا ً.
فما منفعة كثرة الأعداء قال جميل أن الأعداء أذا كثر يكون
الأنسان ابدا ً (متحرزا ً) متحفظا ً لن ينطق بما يؤخد عليه
أو تبدو منه زلة يؤخذ عليها فيكون أبدا ً على هذه الحالة
سليما ً من الخطايا و الزلل فأستحسن الأمام علي (ع) قول
جميل و شكره على حكمته و نظرته الفلسفية للحياة....
لما أعلاه حاولت جاهدا ً أن أحصر موضوع بحثي أعلاه في
نقطتين أساسيتين هما :-
1.
أن التركمان موجودون في العراق قبل الدعوة الأسلامية لقرون
عديدة على خلاف ما قاله البعض زورا ً و بهتانا ً بربط
تاريخنا في العراق بسنة (54) هـ الغير المقبولة أصلا ً و
لاننسى هنا الأشارة الى التاريخ الغير المرئي و البعيد
للسومريون التركمان و أستيطانهم العراق قبل أكثر من (6)
الآف عام.
2.
أن التاريخ القديم و الحديث لتركمان العراق لا يخلو يوم ما
من الفلاسفة و الشعراء و القادة و الرموز و العلماء
الفطاحل الذين تركوا بصماتهم على صفحات التاريخ المجيد
للعراق و الأمة الأسلامية على مر العصور.
في الختام هنيئا ً للتركمان بتاريخهم المجيد في العراق و
هنيئا ً لهم على أنجابهم لهكذا رجالات (فطاحل و أساطير)
قدمت للعراق و الأسلام الشىء الكثير و الكثير و من الله
التوفيق.
ابراهيم آوچي
ibrahimkerkuk@gmail.com
17 / 9 /2010
|