Anasayfa الرئسية   Bize ulaşın اتصل بنا     Sesli chat دردشة صوتية  

           Hoş geldiniz اهلاً وسهلاً 

اغتيال التاريخ في كركوك

 

محمود العدل

التاريخ تلك الكلمة ذات الدلالة والمعاني العديدة إلا أن أكثرها منطق وعقل هي أن التاريخ بحث واستقصاء لحوادث الماضي لان الإنسان لن يفهم حاضره دون أن يدرك ماضيه، وهذا الإدراك يعطى للإنسان خبرة السنين الماضية وذلك لشموله على شتى أنواع العهود سواء كانت عهود مجد وقوة أو عهود دمار وكوارث ومحن. والشعوب التي لا تعرف لها ماضياً محدد مدروساً بقدر المستطاع لا تعد من شعوب الأرض المتحضرة.

 وقد قسم علماء التاريخ مفهومه إلى نوعين:

 النوع الأول: التأريخ العلني أو الخاص، وهو ذلك التاريخ الذي يروى الأحداث التي دونها الناس بما يتوافق ورغبات السلطة القائمة أو أصحاب الأوضاع الخاصة بفئة معينه ولقد أصبح هذا التأريخ حجابا يحول دون رؤية الحقائق الانسانيه الأخرى.

 أما النوع الثاني فهو التاريخ غير العلني الذي يتحدث عن الحقائق بذاتها وهذا النوع يتعامل مع التاريخ بوصفه أحداثاً وتجارب قابلة للتحليل والفهم وهادفة إلى تحسين الأوضاع البشرية، وهذا النمط التاريخى هو أطروحة عقليه تهدف إلى أعادة النظر في الأحداث الماضية والعمل على طرح الأحداث الحقيقية التي دأب أصحاب النوع الأول على تجاهلها وعدم الكشف عنها.

 ونحاول هنا أن نقترب من كركوك تلك المدينة متعددة المحن التاريخية. فنرى أن اصل تسميتها يعود إلى “ كرخيني، كرخاني، كركوك " والتي مازلت مجهولة المصدر مثل كثير من المدن التي تنتظر الكشف عنها إما بالحفريات أو بظهور مصادر تاريخية جديدة، حيث تعتبر كركوك من أكثر المدن العراقية تركمانية من ناحية تاريخ القرون الأخيرة ومن ناحية التواجد التركماني في المدينة ومراكزها الحضرية ومن ناحية التأثير الثقافي وحضور اللغة التركمانية حتى بين غير التركمان من أكراد وعرب وسريان.

 رغم هذا فأن المشاريع القومية الكردية تصر على اعتبار هذه المدينة جزءا من كردستان الكبرى، بل راحوا يطلقون عليها (قدس الأكراد) وهذا يخفي قصدا خبيثا يعني أن العراقيين والتركمان مثل الاسرائيليين الذين اغتصبوا القدس.

 وقد تأكدت تركمانية كركوك في القرن الماضي من قبل المجلس النيابي بجلسته المنعقدة في الخامس من أيار (مايو) وبالتعهد الموجه إلى عصبة الأمم ويتضمن تعهدات العراق إلى مجلس عصبة الأمم كما وضعتها اللجنة التي ألفها مجلس العصبة بقراره المتخذ في 28 كانون الثاني 1932. فقد أشار التصريح في مادته التاسعة، أن العنصر الغالب في قضائي كفري وكركوك (أي مدينة كركوك) هم العنصر التركماني، واعتمدت اللغة التركية واللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية كلغات رسمية. وليس هناك من يعتقد أن الحكومة العراقية وهي الحساسة كثيرا إزاء اللغة التركية، كانت ستقدم مثل هذا الإقرار والتعهد لأقلية لا شأن لها وغير موجودة بالفعل في النسيج العراقي. ويعرف المطلعون أن الحكومات العراقية المتعاقبة قد اعتمدت النسيج القومي للعرب والأكراد والتركمان منذ بدء نشأتها. فقد طبعت اللائحة الخاصة بالمسودة الأولى للقانون الأساسي في 1921 باللغات العربية والكردية والتركية والإنكليزية. كما أصدر المندوب السامي البريطاني بلاغا نشره في مدينة كركوك فقط بعد أحداث مذبحة كركوك التي ارتكبتها ثلة من الجيش الليفي في الرابع من شهر أيار 1924باللغة التركية فقط. وذلك لكون اللغة التركية هي لغة أهل كركوك السائدة. علاوة على ذلك فقد طبع القانون الأساسي للدولة العراقية والصادر عام 1925 باللغة التركية إضافة إلى اللغتين العربية والكردية. واقر (قانون اللغات المحلية) رقم 74 والصادر عام 1931 إجراء المحاكمات في المناطق التي تسكنها أغلبية تركمانية وعلى رأسها كركوك وأربيل باللغة التركية. كما تقرر بأن تكون الدراسة في المدارس التي يؤمها التركمان على الأغلب بلغتهم المحلية.

 وقد تعرضت المدينة لمحاولات عديدة من التغيرات الديمغرافية في القرن الماضي بدأت بظهور بادرة الهجرة من القرى الكردية إلى المدينة باطراد منذ الأربعينيات من القرن المنصرم، أعقبها التغيير القسري للتعريب منذ السبعينيات في القرن الماضي ما أدى إلى اختلال التركيبة السكانية لمدينة كركوك وطابعها القومي التركماني وأدى إلى اتساع المدينة أفقيا بلا مبالاة للمتطلبات الأساسية لقواعد تخطيط المدن الحديثة، وخلق مشكلة أثنية معقدة بين القوميات وصراع حول عائديتها وهويتها القومية.

 نتطرق فيما يلي إلى مراحل التغيير وتداعياتها وصولاً إلى وضع المدينة الحالي

 1 - نشوء أحياء سكنية كردية في المدينة:

 سيراً مع تطورات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها المدينة والعراق بشكل عام، نشأت أحياء سكنية حديثة في مدينة كركوك والمناطق التركمانية الأخرى بصورة تدريجية بعد النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، وذلك نتيجة الهجرة الكردية من القرى إلى المدن، فكان حي الشورجة أول الأحياء السكنية الكردية التي شيدت في الجهة الشرقية من مدينة كركوك، من بضعة بيوت طينية في البداية، على ارض السيد فخر الدين الذي باع المتر الواحد بأربعة فلوس. ثم توسع لتصل إلى آلاف البيوت، يعقب ذلك نشوء أحياء سكنية كردية أخرى عديدة نتيجة استمرار الهجرة من القرى الكردية المجاورة والبعيدة من المناطق الشمالية لأسباب وعوامل متعددة، أدت إلى تغيير الواقع السكاني القومي في المدينة، التي يمكن حصرها في العوامل الأربعة التالية:

 آ – تطور الحالة الاقتصادية وازدياد الحاجة إلى الأيدي العاملة نتيجة نمو الصناعة النفطية وازدياد الإنتاج النفطي وتوسيع منشآت الإنتاج والتكرير، مما أحدث تغييراً كبيراً في الوضع الاجتماعي والأثني في المدينة، حيث استخدمت شركة النفط العراقية أعدادا كبيرة من المستخدمين والعمال، قامت بجلب معظم الفنيين منهم من الآشوريين والأرمن والعرب من خارج المنطقة إضافة إلى عدد قليل من التركمان، فيما شكل الأكراد الذين تركوا قراهم بحثاً عن سبل العيش الأفضل في المدينة أكثرية المستخدمين والعمال، ما نتج عن ذلك، خلال فترة قصيرة، نشوء أحياء شبه مستقلة تحيط بالمدينة من جهتيها الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، مثل (رحيم آوا) على ارض شفيقة خاتون، و(تبه) على طريق كركوك – اربيل، وحي (أزادي والإسكان) على طريق كركوك – السليمانية (تشير مواقع هذه الأحياء إلى المناطق الشمالية التي نزحوا منها) قبل أن تتداخل بعضها البعض ومع الأحياء القديمة التي أشغلتْ تدريجياً من الأكراد النازحين، كحي اليهود بعد هجرة هؤلاء إلى إسرائيل عام 1947 وأحياء التركمان الذين تركوا المدينة تخلصا من الاضطهاد، أو الذين أبعدتهم الأنظمة الحكومية لشتى الأسباب، وكذلك الأحياء التركمانية القديمة التي باع أو اجر أصحابها بيوتهم فيها وانتقلوا إلى أحياء جديدة في المناطق التي تقع على طريق بغداد والمحطة في الجهة الجنوبية والغربية من المدينة وذلك من أجل تحسن أحوالهم الاقتصادية والمعيشية كنتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي الذي شهدته المدينة والعراق بشكل عام، وقد تم شراء أو استئجار معظم تلك المساكن من قبل القرويين الأكراد. ولا ينبغي أن ننسى الإشارة إلى أن شركة النفط العراقية (IPC) قامت بإنشاء مئات الدور السكنية للعمال والمستخدمين في بداية الخمسينيات في منطقة (عرفه) أطلق عليها اسم كركوك الجديدة، وأسكنت فيها منتسبيها من الآشوريين والأرمن والموظفين العرب وبعض التركمان والأكراد، وهكذا أدى استثمار حقول النفط في كركوك إلى استيطان أعداد غفيرة من أبناء القوميات الأخرى قدموا من خارج المدينة، وقد شكل الأكراد أكثرية القادمين، علماً بأن معظم الآشوريين والأرمن هجروا المدينة بعد قيام ثورة تموز عام 1958.

 ب – وجود ثكنات لوحدات الفرقة الثانية في كركوك، وقد كان معظم منتسبيها من الضباط وضباط الصف والجنود ( المتطوعين)، شيدت قيادة الفرقة الثانية مجمعات سكنية لضباط الصف والضباط وقد ساعد ذلك على استقرار معظمهم في المدينة بعد أحالتهم إلى التقاعد، والجنود المسرحين لم يعودوا إلى المناطق التي جاءوا منها.

 ج – تكثفت الهجرات وتتالت باشتداد القتال بين القوات الحكومية والأكراد، وبين الأطراف الكردية المتصارعة فيما بينها، وذلك بحثاً لملاذ آمن لهم، وجدوها في مدينة كركوك التي كانت تنعم بالاستقرار والآمن إلى جانب الترحيب والمساعدة التي تلقوها من أهالي كركوك التركمان دون حساب لما سيأتي به الأيام من التداعيات والتهديد لوجودهم وكيان مجتمعهم ومحاولات القضاء عليهم من الذين ساعدوهم وأحسنوا أليهم، أو على الأقل يصدر منهم ردود فعل ضدهم، بعد أن ازداد عدد نفوسهم في كركوك، وبلغ بحلول العام 1959 حوالي ربع السكان.

 د – بتطور الحركة الكردية المسلحة وتغيير الأوضاع السياسية في العراق بعد وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1968، طورت القيادات الكردية من أهدافها السياسية من مطلب الحكم الذاتي إلى الفيدرالية والمطالبة بمحافظة كركوك ضمن مشروعها الفيدرالي الذي طرحته في مؤتمر صلاح الدين عام 1992 الذي عقدته أطراف المعارضة العرقية، وسعت إلى تكريس مشروعها الفيدرالي في المحافل الدولية والأطراف العراقية المعارضة في كل المؤتمرات والاجتماعات والندوات التي عقدت في المنافي، وعادت الكتلة الكردية إلى طرح مشروعها الفيدرالي الطموح الذي يقسم العراق إلى قسمين(القسم الكردي والقسم العربي) بذلك لم تبق مطالبتها بكركوك في نطاق الشعارات ( كركوك قدس الأكراد) وكركوك (قلب كردستان) التي رفعتها منذ تأسيس المنطقة الآمنة شمال خط 36 أعقاب انتفاضة آذار عام 1991 من قبل قوات التحالف وحمايتها باستخدام قاعدة انجيرلك في الأرضي التركية فحسب، وإنما ركزت القيادات الكردية جهودها على ترتيب بيتها في المنطقة الآمنة ونجحت في تأسيس برلمان وتشكيل حكومة إقليميه انقسمت إلى حكومتين، ويبدو أنها خلال الفترة من 1991 حتى سقوط بغداد في 9  أبريل \ نيسانوضعت الخطط وهيأت كافة متطلبات تغيير الواقع السكاني من تشجيع ودعم الهجرة الكردية إلى كركوك، مادياً ومعنوياً وتشجيعياً وأتباع كل السبل الشرعية وغير الشرعية لغرض تغيير الواقع القومي في المدينة بزيادة عدد سكان الأكراد فيها. وتشهد المدينة بعد سقوط بغداد في 9/4/2003 نزوحاً كردياً مكثفاً من المنطقة الشمالية وحتى من أكراد إيران وتركيا وسوريا بحجة إعادة المرحلين، ويتم نقل وإسكان العوائل الكردية التي هي ليست من السكان الأكراد المرحلين أصلا، وبإعداد كبيرة جداً وفق خطة مدروسة وموضوعة سلفاً من قبل حكومتي السليمانية واربيل، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع في المدينة وتحولت إلى بؤرة التوتر والصراع بين الأكراد المهاجرين الجدد في جانب وأبناء القوميتين التركمانية والعربية في الجانب الأخر، أفضت في الآونة الأخيرة إلى مصادمات مسلحة، سقط من جرائها العديد من القتلى والجرحى من الجانبين. والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ولا يمكن التكهن بأبعادها ومداها، بسبب تمسك القيادات الكردية على ضم مدينة كركوك العراقية ذات الأكثرية التركمانية، إلى (إقليم كردستان) الذي ينادون به، المرفوض من قبل معظم الجهات العراقية السياسية والأكثرية الساحقة من الشعب العراقي الحريصة على وحدة العراق والتنبه لما تتضمنه المشاريع الفيدرالية من مخاطر التجزئة والتقسيم في المستقبل غير المنظور.

 

 2 - التغيير القسري أو تطبيق سياسة التعريب

 اتبع النظام العراقي البائد سياسة التعريب في إطار الصراع حول هوية مدينة كركوك وواقعها القومي، وفي مقابل ظاهرة الهجرة الكردية إلى المدينة ومطالبة الوفد الكردي المفاوض بكركوك ضمن الحكم الذاتي أثناء مفاوضات منح الأكراد حكماً ذاتياً، أُعلن عنه في آذار عام 1970 وتأجل البت به إلى استفتاء يجري في وقت لاحق، لم يتم تحديده في حينه، وعليه فان عملية التعريب جاءت كإجراء لتلافي مخاطر تحول الواقع القومي في المدينة لصالح الأكراد والمطالبة الكردية بالمدينة التي لها أهمية كبيرة بسبب الثروة البترولية فيها.

 لذا فان المطالبة بها من قبل الأكراد وبإصرار وبهيمنة الكتلة الكردية على الوضع السياسي للعراق والدعم الأمريكي لهم في المرحلة الراهنة، وربما فيما بعد إلى ذلك تشهد مدينة كركوك منذ ذلك التاريخ ممارسات أدت إلى تداعيات كبيرة وخلقت وضعاً أمنيا قلقاً غير مستقر بدرجة مخيفة، ومنها:

 1 - دخول الميليشيات الكردية بأعداد كبيرة إلى المدينة وبسط سيطرتها على كافة مرافق المدينة ونقاط السيطرة، والقيام بمضايقة المواطنين التركمان والعرب والاعتداء عليهم.

 2 - نزوح أعداد كبيرة من العوائل الكردية إلى المدينة بحجة أنها ترحلت في عهد النظام البائد ولكن الواقع، أن عدد المرحلين الحقيقيين لا يتجاوز الـ2% من مجموع الذين دخلوا المدينة بعد سقوط النظام لحد الآن، وهم من أهالي المحافظات الشمالية وبينهم أكراد من إيران وتركيا وسوريا، وقد سكن النازحون جميع مقرات الفيلق والفرق ومرافقها التي تركتها أفراد القوات المسلحة العراقية التي هزمت في الحرب، وكذلك سكنوا الأبنية الحكومية وتلك العائدة إلى حزب البعث المنحل، فضلاً عن تشييد ألاف البيوت على أراضي الدولة أو العائدة إلى المواطنين التركمان، وبدون أي ترخيص رسمي.

 3 - تعيين الموظفين ورؤساء الدوائر والشرطة وحتى تسجيل التلاميذ في المدارس في السليمانية واربيل ثم نقلهم إلى كركوك، بأوامر إدارية تصدرها حكومتا السليمانية واربيل، متجاوزة صلاحيات الإدارة المركزية في بغداد أو باستغلال غيابها.

 4 - القيام بأعمال استفزازية تخدش مشاعر المواطنين من تمزيق العلم العراقي ورفع علم كردستان بدلاً عنه، وتغيير يافطات دوائر الدولة والمستشفيات والمحلات التجارية وغيرها إلى اللغة الكردية.

 5 - كتابة شعارات استفزازية على الجدران في الشوارع والطرقات.

 6 – ارتكاب أعمال إجرامية من قبيل السطو المسلح على دور المواطنين وأعمال السلب والنهب وسرقة السيارات بقوة السلاح والقتل، والإضرار بممتلكات الدولة بالحرق والنهب والسرقة ومن ضمنها سجلات دائرة النفوس في كركوك لغرض إجراء التزوير فيها لإضاعة حقيقة الواقع القومي للمدينة.

 لذا يجب أن تتخذ الإجراءات الكفيلة لوضع حد لتلك الممارسات والأفعال وإزالة آثارها، بل لابد من أن تضع الحكومة الوطنية حلا جذرياً لمشكلات هذه المدينة وإنهاء الصراع الدائر حول عائديتها وهويتها القومية لأهداف معلومة للجميع، فإن المنطقة لن تشهد الاستقرار والأمن وستبقى ملتهبة.

 وعليه نعتقد بأنه ليس من حل جذري لمشكلة هذه المدينة الغنية بالنفط وإنهاء الصراع الدائر بسببها، سوى أن يكون لها وضع دستوري خاص بها بحيث يؤمن لها الحفاظ على نسب نفوس القوميات العراقية وأن تعلو الهوية العراقية فوق جميع المنافع الشخصية والعامة وأن يرفع الأكراد أيديهم عن كركوك لتبقى كركوك العراقيين أجمعين.

 محمود العدل

أكاديمى مصري

 

Copyright ® 2005 iraqiyoon.com All Rights Reserved