|
يرجع تاريخ العلاقات
العربية-التركمانية الى ما قبل الميلاد مع بداية
دخول السومريين الاتراك الى العراق بعد هجرتهم
التاريخية الى بلاد الرافدين والتقائهم بالاقوام
العربية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية
واستوطنت العراق. وتشرفت أرض الرافدين بقدومهما
الميمون واٍزدهرت بلقائهما وتعايشهما في اخوة
ووئام يزرعان ويحصدان معا خيرات العراق.
لقد ظهرت قوة العلاقات العربية-التركمانية بصورة
واضحة خلال الفترات المختلفة التي حكم فيها
التركمان العراق، وكذلك في عهد الخلافة الاموية
والعباسية حيث شغل التركمان مناصب رفيعة في أمور
الحرب والدفاع والسياسة والادارة والاقتصاد، وكان
لهم الدور الفعال في اٍدارة الدولة. وزادت أواصر
العلاقات قوة وتماسكا خلال فترة حكم السلاجقة وحكم
الدويلات التركمانية للعراق من أتابكية الموصل
وأتابكية أربيل والدولة الايلخانية والجلائرية
ودولة أق قويونلوا وقره قويونلوا والايواقية في
كركوك وأستمرت في فترة الخلافة العثمانية التي
انتهت مع نهاية الحرب العالمية الاولى . ورغم وجود
بعض الملابسات والسياسات الخاطئة التي أفرزتها
القوى الاجنبية في فترة حكم الدولة العثمانية، فقد
أخذت العلاقات العربية-التركمانية قالبا مميزا
وزادت قوة وتماسكا وخاصة في المجالات التجارية
والصناعية والزراعية كما أضافت علاقات التناسب
والزواج رونقا آخرا الى العلاقات الاجتماعية. لقد
عاش العرب والتركمان جنبا الى جنب محافظين على
آواصر الاخوة والوئام رغم السياسات التعسفية التي
اتبعتها الحكومات العراقية السابقة التي حكمت
العراق أبان الحرب العالمية الاولى والتي أشعلت
فتيل التفرقة بين القوميات العراقية المتآخية في
العراق. وباءت محاولات النظام العراقي السابق أيضا
بالفشل لكسر هذه الاواصر رغم فرض سياسية التعريب
القسرية على المناطق التركمانية ابتداءا من تلعفر
الى مندلي والعزيزية والتركيز على المناطق النفطية
وخاصة مدينة كركوك العراقية ذات الخصوصية
التركمانية. وقد هدم النظام السابق مئات القرى
التركمانية في محافظات كركوك وأربيل وصلاح الدين
وديالى والاقضية والنواحي التابعة لها، كما خرب
النظام أيضا منطقة تسعين القديمة بأكملها مع ألاف
المنازل التركمانية في كركوك وتشريد سكانها
الاصليين واٍجبارهم على الهجرة.
لقد عاش التركمان في جو من الاخوة والوئام مع
القادمين الجدد لتمسكهم بالاخوة العربية-
التركمانية وايمانا منهم بالحفاظ على الوحدة
الوطنية العراقية وتآخي القوميات وأن الوطن للجميع
حيث يحق للجميع حرية التحرك واٍختيار السكن في
جميع المحافظات العراقية مشروطة بعدم الاعتداء على
خصوصية سكانها الاصليين. ورغم المحاولات الفاشلة
والمخططات البائسة واٍتباع سياسة الترهيب والتخويف
التي انتهجتها سلطة النظام البائد والملابسات
الكثيرة التي رافقت حكمهم في العراق لتعريب
المناطق التركمانية والاجحاف بحق التركمان ومنعهم
من التحدث بلغتهم فقد حافظت المناطق التركمانية
على عراقيتها وخصوصيتها التركمانية وخاصة مدينة
كركوك والتي مازالت تتعرض الى سياسات مشابهة
لتغيير واقعها القومي التركماني. ولم تكن هذه
التجربة الاولى للتركمان في العراق بل أنهم قاوموا
سياسة التعريب منذ ما يقارب أكثر من ثمانية عقود
ونيف مما زادتهم تمسكا بوطنيتهم وولائهم لتربة
العراق.
اٍن أواصر التآخي بين العرب والتركمان كان قائما
خلال عقود التاريخ حيث وقف التركمان مع اخوتهم
العرب صفا واحدا كالبنيان المرصوص، جنودا أوفياء
يدافعون عن حدود العراق ضد الطامعين في خيراته.
ولكن ورغم التضحيات وما قدمه التركمان من
المساهمات الفعلية في اٍدارة البلاد فقد كشفت
المؤامرات التي تحاول استبعادهم من القضية
العراقية. ان استمرار استبعاد التركمان سوف لن
يخدم مصلحة ومستقبل العراق بل سيترك ثغرة واسعة
وجراحات لاتلتئم، وكان من الاجدر على مجلس الحكم
الانتقالي في العراق أن يستفيد من خبرات التركمان
السياسية والعسكرية والتجارية والثقافية
والاجتماعية في اٍدارة البلاد لتجربتهم ودرايتهم
الواسعة في هذه المجالات وبشهادة التاريخ.
اٍن المحاولات الفاشلة التي لعبتها قوى الشر في
فتح ثغرة الخلاف بين العرب والتركمان باءت بالفشل
وخاصة عندما أعلن النظام السابق اٍباحة اٍستملاك
الاراضي الزراعية التركمانية المستملكة وبأسعار
زهيدة في مناطق بشير ويايجي وكومبتلر والمناطق
المتاخمة لمنطقة الحويجة في جنوب كركوك حيث امتنعت
عشائر العبيد الابية عن شراء هذه الاراضي لمعرفتهم
بمظلومية أصحابها التركمان الذين قدموا الغالي
والنفيس في خدمة العراق وكذلك معرفتهم الشخصية
لمالكيها الاصليين من التركمان، وسيشهد التاريخ
لعشائر العبيد أيضا موقفهم النبيل وحفظهم على
العلاقات الاخوية التي لم تصبها شائبة.
اٍن شيمة عشائر العبيد ورثوها عن أجدادهم وشيوخهم
الذين وقفوا وقفة الابطال صفا واحدا في ثورة
العشرين المباركة حيث كتب التاريخ على صفحاتها
وبأحرف من الذهب موقف الشيخ (عاصي العلي) رئيس
عشائر العبيد ووقفته المشهودة مع التركمان في
السراء والضراء، وها هم أبناؤه الغيارى اليوم
يتبعون نهج أجدادهم للحفاظ على هذه الاخوة التي لا
تهزها الرياح، ويدخل في هذا الوصف أيضا عشائر
الجبور وعشائر الربيعة وعشائرالموصل وعشائر بني
ويس وعشائر الكروية وعشائر الجنوب في العراق
والعرب قاطبة والذين يناضلون من أجل وحدة العراق
ويقفون سدا منيعا مع التركمان في وجه مخططات
ومشاريع تقسيم العراق كمشروع نظام الفيدرالية
القومية والجغرافية والذي يرمي الى تقسيم العراق
الى الشمال والجنوب.
لقد تبين للعرب بأن التركمان هم العنصر الاساسي في
المعادلة العراقية والدعامة الاساسية التي تستند
عليها محور الامور في العراق عندما تيقنت لهم
وطنية التركمان وبطلان الدعايات المغرضة التي
أصدرتها بعض الاطراف التي حاولت الطعن بوطنيتهم،
كما أدرك العرب أيضا مدى حب التركمان لوطنهم
العراق عندما رفع التركمان الاعلام العراقية شامخة
فوق الابنية والبيوت والمحلات التجارية وقدموا
الشهداء في سبيل الابقاء على وحدة العراق.
لقد حمل أطفال التركمان الاعلام العراقية ووضعوها
على ضريح الطفل التركماني الشهيد عبد المحسن (حسين
محسون جلال) البالغ من العمر عشر سنوات والذي
قتلته أيادي الغدر في الثالث عشر من نيسان 2003م،
وهو يحمل العلم العراقي وعلم الجبهة التركمانية
العراقية، وقد خرج الى الشارع ليحتفل بسقوط
النظام، كما قتل أيضا عشرات التركمان الذين وقفوا
بصلابة وهم يدافعون عن عراقية كركوك وخصوصيتها
التركمانية أمام القوى التي نهبت وسلبت موارد
العراق وأحرقت الاخضر واليابس في العاشر من نيسان
عام 2003م.
ان التركمان رغم كل ما جابهوه من التحديات لم
يتذمروا ولم ييأسوا وظلوا يقاومون الامواج القوية
التي حاولت النيل من وطنيتهم وظلوا أوفياء للعراق
وأمناء على العهد، وسيبقى التركمان يقاومون
المؤمرات التي تهدف الى تمزيق العراق وتشتيت شمله
ايمانا منهم بأن ليل الظلم قصير ولابد أن تشرق شمس
الحرية لتبدد الظلمات بفيض من اٍشعاعاتها المضيئة.
ولتعش الاخوة العربية التركمانية في ظل العراق
الموحد عراق الجميع، ولنحمل معا العلم العراقي
ولنزرع شتلات الاخوة في الشمال وفسائل المحبة في
الجنوب ولنعمل جميعا من أجل بناء العراق الحر
الموحد.
|