كركوك – اوسيتيا... ومأساة السكان الأصليين
بقلم: آيدن اقصو
في الثامن من هذا الشهر وفيما تتوجه انظار
العالم قاطبة نحو (بكين) عاصمة الصين لمتابعة
افتتاح الاولمبياد الصيفية وبطقوسها
وأحتفالاتها الاسطوري، اعطى الرئيس الجورجي
ميخائيل سكاشفيلي أوامره العسكرية لعشرة آلاف
مقاتل وعسكري جورجي لإجتياح اقليم اوسيتيا
الجنوبية وضمها قسراً وعنوة الى الدولة
الجورجية الحديثة التي هي الاخرى لم تنل
استقلالها عن الاتحاد السوفيتي المنحل إلا في
أواخر عام 1991...
ومن المعروف تاريخياً وسياسياً ان شعب اوسيتيا
الجنوبية والبالغ عدده مايقارب ثلثمائة الف
نسمة يمت بصلة للشعب الجورجي... وكذا الحال مع
الاقليمين الاخريين اوسيتيا الشمالية
وابخازيا...
ان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة يعلم
ذلك علم اليقين ولكن تحاول ان تقتطع اجزاء
صغيرة من دول القوقاز تباعاً وتكراراً وصولاً
الى الحدود الاقليمية الروسية ومن ثم تفتيتها
هي الاخرى وفق نظرية ومقولة هنري كيسنجر عراب
السياسة الامريكية بحتمية (تقسيم المقسم
وتجزأة المجزأ) وهذ ما حصل في البلقان
اليوغسلافية ومايراد تمريره وتسويقه هنا في
منطقة الشرق الاوسط الكبير الجديد على يد
المحافظين الجدد. فأمريكا هي التي اشارت
لسكاشفيلي بأجتياح اوسيتيا الجنوبية بهذه
الطريقة الرعناء.. وهي التي تمنع قيام هذه
الاقاليم من اعلان استقلالها خوفاً من التحاق
وانضمام هذه الاقاليم بأحلاق عسكرية وسياسية
واقتصادية وستراتيجية مع موسكو...
فهنا في هذه المنطقة تتخلى واشنطن تماماً عن
شعارات حقوق الانسان وحقوق الاقليات حيث تدعو
جورجيا سراً وعلناً بسحق هذه الشعوب وهذه
الاقاليم بكل وحشية ودموية، فيما نرى ان
الولايات المتحدة ومعها حلف ناتو شنوا حرباً
ضروساً في اواخر عام 1998 تحت يافطة حقوق
الانسان وحقوق الاقليات في تقرير المصير في
بلقان اوروبا..
وفي الجانب الشرقي من العالم (الصين وتايوان)
نرى واشنطن الغرب الرأسمالي تعارض عودة تايوان
الى الصين وذلك لغرض تقليص مساحة الصين من جهة
والتخفيف من قوة اقتصادها الصاعد من جهة ثانية
واستعمال تايوان كورقة ضغط مزعجة ودائمية
لبكين لتقليص دورها الاقليمي.
ولمحة أخرى شرق أوسطية تتضح في موقف واشنطن
وحلفاءها الغامض والمراوغ من قضية احتلال
ايران للجزر الاماراتية العربية وذلك لغرض
استعمال هذه الورقة بأتجاهين متعاكسين وعند
الضرورة.
وعراقياً يرى المتتبع للسياسة الخارجية
الامريكية منذ 1945 الذي شهد نهاية الحرب
الكونية الثانية موقف أمريكا الثابت والداعم
على طول الخط للسياسات والفعاليات الكردية
الانفصالية في شمال العراق رغم الافرازات
الدموية لهذا التصارع الطويل على كلا الجانبين
(الحكومي الرسمي – الانفصالي الكردي)..
مثال آخر عراقياً اليوم يتضح في صمت الادارة
الامريكية منذ 9 نيسان 2003 لغاية اليوم لما
يحصل لتركمان العراق ومناطقهم من تغيير
ديموغرافي قسري مؤدلج تقوم به الاحزاب
والقيادات الكردية وأمام أعين الجميع ومقدار
الدعم السياسي والدعائي والعسكري الذي تقدمه
واشنطن لأحزاب وقيادات الشمال العراقي ومحاولة
الضغط على الحكومة المركزية بضرورة تلبية
مطالب الاكراد من خلال الاصرار على تطبيق
المادة 140...
ويبدو ان لواشنطن عقدة ايديولوجية سرمدية من
المكونات السكانية والاجتماعية الاصلية فهي
على طول الخط تعادي وتضعف السكان الاصليين في
البلدان التي تحتلها او مع البلدان التي
تعاديها.
وما موقف أمريكا من تركمان العراق إلا مثالاً
واضحاً فيما نذهب اليه.
ان المعادلات والأمثلة التي سقناها آنفاً توضح
ان واشنطن لا تملك أي معايير اخلاقية سياسية
عادلة بقدر ما تملك نظرة برغماتية ميكافيلية
متأصلة دائماً وابداً في تحقيق المصلحة
الستراتيجية العليا للولايات المتحدة.
ان دولاً كبرى مثل الصين وروسيا والهند سوف لن
تسمح لمصادر القرار الامريكي بالعبث بموجودات
التواصل والتلاحم والتواجد السكاني لشعوبها
لأنها تعلم يقيناً ان أمريكا تبدأ من حقوق
الانسان وحقوق الاقليات ونشر الديمقراطيات
وتنتهي بتقسيمات طائفية ومذهبية وعرقية
ومناطقية...
ولكن هل تستطيع أمريكا ومعها المعسكر الغربي
من تنفيذ هذه الاجندات الكبرى من خلال شعارات
الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحق تقرير
مصير الشعوب لغرض تفتيت وتمزيق الدول وتحويلها
الى مقاطعات وكانتونات اقتصادية استهلاكية؟
الجواب.. في رأينا كلا... وذلك لأسباب عدة
منها ماهو سياسي ومنها تاريخي ونوع حضاري وآخر
عسكري... فان دولاً مثل الصين والهند وروسيا
أحتفظن بحدودها وجغرافيتها وحضارتها ووحدتها
السياسية والادارية وديموغرافيتها هذه منذ
تأسيسها ولم تهتز هذه الاسس البنيوية الثابتة
والماسكة ولم تضمحل لا بفعل الحروب ولا بفعل
التغيرات الطبيعية ولا بحجم وتكرار الثورات
والعقائد الايديولوجية، ومن هنا ان الفشل
الامريكي في العراق والمنطقة تأتي من عبث
أمريكا في المرتكزات التاريخية الثابتة وان
الضربة السياسية التي تلقتها أمريكا في
القوقار ناتجة من السطحية والديماغوجية
الجديدة التي تغلف العقل السياسي الامريكي.
ومن هنا نحن نرى ان استمرار أمريكا في دعم
المكونات البشرية المستحدثة ضد المكونات
الاصلية للبلاد سوف يطيح بالسياسة والنموذج
الامريكي برمته...
وعندما نقسم ذلك
كسياسيين لا نقصد الاساءة العرقية او
الانتروبولوجية على أساس عنصري أوقيمي، فنحن
نؤمن بوحدة الجنس البشري ومساواته وانما نقصد
المعايير السياسية النفعية والانتهازية
والايديولوجية التي تتبناها واشنطن والغرب
جراء تبني واستخدام هذه السياسة اقليمياً
ودولياً وماينتج ويفرز من هذه السياسة
الاستعمارية من افراز ظلمي وضياعي لكافة
الاثنيات المتصارعة وعلى اكثر من صعيد في
الماضي والحاضر والمستقبل...