الاعتذار عن مجزرة 14 تموز 1959، خطوة حقيقية
للمصالحة الوطنية
نرمين المفتي
طوال ست سنوات عجاف، سمعنا الكثير عن المصالحة
الوطنية. شخصيات من مستويات مختلفة، احزاب
كبيرة و صغيرة، منظمات المجتمع المدني، كل
اخترع وسيلة للمصالحة على هواه او على هوى
المنحة التي يستلمها، و اقصد بعض منظمات وضعت
تحت مسمى " المجتمع المدني" و هي غالبا واجهات
لأحزاب، او منظمات على قطعة دلالة مرفوعة فوق
بناية ما! و مع مبادرات المالحة الوطنية،
سمعنا الكثير عن توقيع مواثيق شرف! تحمي
العراقيين و تحرم سفك دمائهم و تحافظ على وحدة
العراق ارضا و شعبا. و لم يتساءل المبادرون عن
السبب الذي جعل من العراقيين ان يحتاجوا الى
مصالحة وطنية! طبعا، كانت المحاصصة البغيضة
سببا جديا للمصالحة بعد ان تسببت بتشتيت
العراقيين و ان يفقد شرائح عراقية عديدة
حقوقها و مستحقاتها. و قطعا، هناك سبب آخر،
ففي الوقت الذي اصر فيه اطراف معينة على انزال
العقاب بمن اضطهدها و صادر حقوقها، فأن هذه (
الأطراف) نفسها، منعت دعاوى اطراف اخرى لانزال
العقاب بمن اضطهدها و صادر حقوقها.
مما لاشك به، ان يوم 14 تموز 1959، و الذي شهد
مجزرة دموية بشعة ضد التركمان في كركوك، (
تفنن) مرتكبوها بأساليب التعذيب و القتل و
السحل و التمثيل بالجثث. و اكدت الوثائق،
فضلا الى تأكيد شهود العيان، ان مرتكبي تلك
المجزرة، كانوا من عناصر ما اطلق عليها (
المقاومة الشعبية) التي كانت تتبع الحزب
الشيوعي العراقي، و كانوا من الأكراد. مما
لاشك به، ان ذلك اليوم الدموي أثر، ليس على
التركمان فقط، بل على جميع العراقيين، و ان ما
يجري الآن في كركوك خاصة و العراق عامة،
امتدادات لذلك اليوم.
المصالحة الوطنية الحقة، لا تحتاج الى ارسال
شخصيات بأفكار متعارضة الى جنوب افريقيا،
للاطلاع ميدانيا على المصالحة التي تمت بين
شعب جنوب افريقيا الأصلي و هم من القبائل
الأفريقية و بين ( الأفريكانو) و هم الأجيال
الممتدة للأوربيين الذين احتلوا هذا البلد. و
لم نسمع اية بادرة من الشخصيات التي ذهبت
للاطلاع و امضت قرابة الشهر في جنوب افريقيا
في 2005! و لم يتحدث أي من تلك الشخصيات
لوسائل الاعلام عن التجربة الجنوب افريقية! و
المصالحة الوطنية الحقة لا تحتاج ارسال
عراقيين الى الهند لدراسة المصالحة من خلال
الحب المطلق، بعد ان زار مؤسس غورو الحب
الهندي و مؤسس مدارس الحب العراق و استقبله
المالكي. فقد قرأنا في الأخبار ان خمسين شاب و
شابة تم ايفادهم الى الهند، و كان من المفروض
ان يعود هؤلاء الموفدين كمعلمين للسلام و
المصالحة الحبية! و لم نسمع عنهم او منهم
شيئا!
المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتذار، ان يعتذر
كل من اساء الى الآخر، او ارتكب جريمة بحقه و
فلت من العقاب بشكل او بآخر. و الاعتذار
الأول يجب ان يقدم من الحزب الشيوعي العراقي و
من فصائل كردية تردد اسمها في ارتكاب مجزرة
تموز ضد التركمان، و الاعتذار يقدم للتركمان
اولا و من ثم للعراقيين، لأن الأحداث اثبتت و
كما قلت ان ما يجري الان في كركوك خاصة و
العراق عامة يشكل امتدادات لذلك اليوم البشع
في دمويته و حقده. و لا يكفي الحزب الشيوعي
العراقي ان ينكر ارتكابه لتلك الجريمة
النكراء، فللتاريخ لسان يتحدث بالوثائق و
بشهادات شهود العيان الحقيقيين و ليس المزورين
او الملقنين.
ليكن من ارتكب الجريمة بحجم مسؤوليته و ليعتذر
في الأقل، و لينظر من يطالب الآخرين بالحساب و
العقاب، الى افعاله و يقرر ان يخطو خطوة
حقيقية نحو المصالحة الوطنية و التي ستجعل
الخطوة الثانية اسرع. و الاعتذار و ان يأتي
متأخرا، افضل من ان لا يأتي ابدا. و الاعتذار
قطعا سيساعد بأن يخفت لون الدم الذي صبغ جدران
كركوك و شوارعها، ذلك اللون الذي يأبى ان
يغادر العراق بالرغم من مبادرات مصالحة وطنية
تحتاج الى صفاء النية و صدقها.
مركز الإعلام التركماني العراقي