اطلعت في مجلة
المجتمع العدد (025)
المؤرخ (11) جمادي
الأولى سنة (1041هـ)
على مقابلة مع الشيخ
الألباني يقول فيها:
(إن قول سيد قطب في
تفسير سورة الإخلاص
وأول سورة الحديد (هو
عين القائلين بوحدة
الوجود.. كل ما تراه
بعينك فهو الله، وهذه
المخلوقات التي
يسميها أهل الظاهر
مخلوقات ليست شيئا
غير الله.. وعلى هذا
تأتي بعض الروايات
التي تفصل هذه
الضلالات الكبرى بما
يرى من بعض الصوفيين
القدماء من كان يقول
(سبحاني ما أعظم
شأني) والآخر الذي
يقول (ما في الجبة
إلا الله)... هذا
الكلام كله في هذين
الموطنين من التفسير).
ولقد هزني من أعماقي
أن تنشر المجتمع على
صفحاتها هذا الكلام
لقرائها في العالم،
والمجتمع بالهيئة
المشرفة عليها تدرك
أن قراءها هم تلاميذ
الأستاذ سيد قطب.
ولقد حز في النفوس أن
ينسب هذا الكلام
(القول بوحدة الوجود)
إلى الأستاذ سيد الذي
جلى حقيقة التوحيد من
كل غبش، بل ركز معظم
كتاباته على شرح معنى
(لا إله الآ الله)
ونقل المعنى النظري
للتوحيد إلى واقع حي
متمثل في سلوك
وحركات، ودماء
وتضحيات، ولقد كانت
حياته المليئة بصور
الإعتزاز بالله،
والتوكل عليه
والإلتجاء إليه خير
شاهد على أن توحيد
الربوبية (التوحيد
العملي والنظري في
القلب والنفس) (توحيد
المعرفة والإثبات) قد
جمع معه توحيد
الألوهية (التوحيد
العملي بالفعل) في
واقع الحياة مشاعر
وشعائر وكلمات
ومواقف، حتى غدا
المؤمن بهذا التوحيد
كالشم الرواسي لا
يزعزعه قوى الأرض،
ولا يهزه جبروت
الطغيان.
وحسبك منه تلك
الكلمات التي كانت
تنبثق من أعماقه
معبرة عن استقرار
التوحيد في طياته،
(تسمعه وهم يعرضون
عليه الوزارة وهو
رهين القيود يقول:
(إن إصبع السبابة
التي تشهد لله
بالوحدانية في الصلاة
لترفض أن تكتب حرفا
تقر به حكم طاغية).
وتصغي إليه وهم
يحاولونه أن يسترحم
فيقول: (لماذا
أسترحم؟ إن كنت
محكوما بحق فأنا
أرتضى حكم الحق وإن
كنت محكوما بباطل
فأنا أكبر من أن
أسترحم الباطل).
ولقد حدثت شقيقته
حميدة أمامي فقالت:
يوم الأحد (82) أغسطس
(6691م) جاء قرار
الإعدام موقعا من
رئيس الجمهورية
-عبدالناصر- ولكنهم
كما يبدو أوعزوا إلى
مدير السجن الحربي
حمزة البسيوني أن
يحاوله الإعتذار حتى
آخر لحظة.
قالت حميدة: دعاني
حمزة البسيوني
وأطلعني على مصادقة
عبد الناصر على قرار
الإعدام فارتعشت
أوصالي، لأني كنت احب
سيدا حبا يملك علي
نفسي، ثم قال حمزة:
أمامنا فرصة أخيرة
لإنقاذ هذا العلامة
لأن إعدامه خسارة
كبرى للعالم
الإسلامي، فإذا اعتذر
فإننا نخفف حكم
الإعدام إلى السجن ثم
يخرج بعفو صحي بعد
ستة أشهر، فبادري
إليه لعله يعتذر.
قالت حميدة: فدخلت
عليه وقلت له: إنهم
يقولون: إن حكم
الإعدام سيوقف فيما
إذا اعتذرت.
قال سيد: (عن أي شيء
أعتذر؟ عن العمل مع
الله، والله لو عملت
مع غير الله لاعتذرت،
ولكنني لن أعتذر عن
العمل مع الله، ثم
قال: إطمئني يا
حميدة، ان كان العمر
قد انتهى سينفذ حكم
الإعدام، وإن لم يكن
العمر قد انتهى فلن
ينفذ حكم الإعدام ولن
يغني الإعتذار شيئا
في تقديم الأجل أو
تأخيره).
يا لله! حبل المشنقة
يلوح أمام ناظريه،
ولا تهتز أوصاله، ولا
يضطرب موقفه، ولا
يتراجع عن كلمته،
إنها القمة السامقة
التي أحله فيها
التوحيد، إنها
الطمأنينة التي سكبها
الإيمان بالله في
أعماقه وهو كما يقول
في مقدمة (في ظلال
القرآن) ص(31) دار
الشروق: ومن ثم عشت
في ظلال القرآن هادئ
النفس، مطمئن
السريرة، قرير
الضمير، عشت أرى يد
الله في كل حادث، وفي
كل أمر، عشت في كنف
الله وفي رعايته، عشت
أستشعر إيجابية صفاته
تعالى وفاعليتها..)
(أمن يجيب المضطر إذا
دعاه ويكشف السوء).
(أي طمأنينة ينشئها
هذا التصور؟ وأي
سكينة يفيضها على
القلب؟ وأي ثقة في
الحق والخير والصلاح
أو أي استعلاء على
الواقع الصغير يسكبها
في الضمير؟.
والكلام في هذا
الموضوع يطول، وليس
هذا مكان الإسترسال
في بيان أثر التوحيد
في حياة هذا العملاق
الكبير، وما تركته
كتاباته عن التوحيد
من أثر في نفوس الجيل
العائد إلى الله، في
جميع أنحاء الأرض.
ليس بدعا من القول أن
نشير إلى أن سيد قطب
أكثر م ن أثر في
الأجيال بعد النصف
الثاني من القرن
العشرين، ولا نعرف
إنسانا ترك بصماته
واضحة عميقة في نفوس
الشباب اكثر منه، ولا
أظنني مغاليا إن قلت
ما من مجموعة مسلمة
أثرت في مجتمعاتها
إلا وكان لسيد قطب
أثر في نفوسها قليلا
كان التأثير أم عميقا
.
إن محاولة النيل من
سيد قطب عبث، وإن
النزول معه في معركة
سذاجة تبوء على
صاحبها بالخيبة
والخسران بعد أن بلغ
الرجل كلمته، وحمى
كلماته بدمه وسار إلى
ربه رافع الرأس، قرير
العين، شامخ الأنف،
عزيزا، أنا لا أنكر
أن بعض محاولات النقد
منبعثة من قلوب
مخلصة، ومحبة لإظهار
الحق، لأن الحق لا
يعلو عليه أحد، وإنما
يعرف الرجال بالحق
ولا يعرف الحق
بالرجال.
نحن لا ننزه سيدا من
الخطأ، وحاشا للهلله
أن ندعى له العصمة،
إذ ما من إنسان إلا
ويؤخذ منه ويرد عليه
إلا صاحب هذا القبر
ص، كما كان يردد إمام
المدينة وعالمها
مالك.
ونحن قد نجد في
الظلال وغيره بعض
الألفاظ التي قد
تحتاج إلى دقة أكثر
لتتفق مع المصطلحات
الشرعية في العقيدة
الإسلامية، وهذا لا
بد أن يكون مادام
بشرا يخطئ ويصيب.
أما: أن يصل بنا
الأمر أن ننسب إليه
تلك العقيدة الفاسدة
الضالة وهي: القول
بوحدة الوجود.
هذه القولة التي تكاد
تخر لها الجبال هدا،
سبحانك يا رب هذا
بهتان عظيم، إن وحدة
الوجود تعني أن
الخالق والمخلوق شيء
واحد، وأن الأثر هو
المؤثر وأن الصانع قد
ظهر في المصنوع لا
انفصال ولا تباين.
إن وحدة الوجود تعني
أن الحجر هو الله،
وأن الصحن هو الله،
وأن الحيوانات هي
الله، فلم يعد هنالك
فرق بين من عبد الحجر
والصنم والشمس وبين
من يعبد الله، لأنها
كلها صور لشيء واحد
هو الذات الإلهية
(تعالى الله عما
يقولون علوا كبيرا )،
هل يصدق عاقل أن سيد
قطب كان يعتقد أن عبد
الناصر هو الله، وأن
حمزة البسيوني وشرطته
هم صور الله، وأن
صفوت الروبي الجلاد
هو الله وأن لا فرق
بين من يعبد ابن
غوريون ودايان، وبين
من يعبد الرحمن، هل
يصدق ذو لب أن سيد
قطب كان يعتقد أن
السجن الحربي هو
الله، أو يدخل في عقل
عاقل أن سيد قطب كان
يظن أن الشجر والحجر
والقرد، و الخنزيز
والكلب صور لله عزوجل
-سبحانك يا رب! إنها
لإحدى الكبرـ.
والآن لا بد أن نقف
على بعض الأقوال لمن
قالوا بوحدة الوجود،
وقبل أن أدخل معك
لأطلعك على أقوالهم،
أحب أن أبين أن سيد
قطب قد هاجم القول
بوحدة الوجود بالنص.
يقول رحمه الله في
تفسير قوله تعالى:
(وقالوا اتخذ الله
ولدا سبحانه، بل له
مافي السموات والأرض
كل له قانتون، بديع
السموات والأرض وإذا
قضى أمرا فإنما يقول
له كن فيكون)
(البقرة: 711)
يقول في تفسيرها
ص(601)
ج(1)
دار الشروق: والنظرية
الإسلامية أن الخلق
غير الخالق، وأن
الخالق ليس كمثله
شيء.. ومن هنا تنتفي
من التصور الإسلامي
فكرة: وحدة الوجود
-على ما يفهمه غير
المسلم من هذا
الإصطلاح- أي بمعنى
أن الوجود وخالقه
وحدة واحدة أو أن
الوجود إشعاع ذاتي
للخالق، أو أن الوجود
هو الصورة المرئية
لموجده، أو على أي
نحو من أنحاء التصور
على هذا الأساس.
والوجود وحدة في نظر
المسلم على معنى أخر:
(وحدة صدروه عن
الإراد ة الواحدة
الخالقة، ووحدة
ناموسه الذي يسير
به...) والآن لنرجع
إلى أقوال الذي قالوا
بوحدة الوجود، هؤلاء
قوم كانوا يرون أن
المصنوعات كلها صور
للصانع حتى بلغ الأمر
ببعضهم أن لايبصق على
الارض ولا يستنجي
بالحجارة لأنها في
نظره صور لله -عزوجل-
وتعالى عما يقولون
علوا كبيرا.
يقول أبو يزيد
البسطامي سنة
(162هـ): (خرجت من
الله إلى الله، حتى
صاح مني في يا من
أنا أنت) (سبحاني ما
أعظم شأني).
وتحدث البسطامي عن
حوار بينه وبين الله
تعالى فقال: ورفعني
فأقامني بين يديه
وقال لي: يا أبا
يزيد: إن خلقي يحبون
أن يروك فقلت: ربني
بوحدانيتك، وألبسني
أنانيتك، وأرفعني إلى
أحديتك، حتى إذا رآني
خلقك قالوا: رأيناك
لتكون أنت ذاك، ولا
أكون أنا هناك).
وقال الحسين بن منصور
الحلاج سنة (903 هـ):
مزجت روحك في روحي
كما تمزج الخــمرة
بالمـــــاء
الــــزلال
فـإذا مسـك شــيء م
سـني فــإذا أنـت
أنـا فـي كـل حــال
وقال الحلاج:
أنا من أهوى ومن
أهوى أنا نحن
روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني
أبصرتـــــه وإذا
أبصـــرته
أبصـــرتنـا
هذا كلام البسطامي
والحلاج في وحدة
الوجود، والقول ظاهر
لامجال فيه لتأويل
متأول، ولا لتفسير
مفسر، أن الخالق هو
المخلوق ولم يعد
هنالك انفصال ولا
تمايز و لا تباين، بل
الصور هي الله،
والأشياء هي الله.
فعبادة الأشياء هي
عبادة لله.
أين هذا الكلام من
عقيدة سيد قطب التي
يصرح فيها مئات
المرات في ظلال
القرآن بالفرق بين
الخالق والمخلوق،
والتباين بين مقام
الالوهية ومقام
العبودية، والآن تعال
معي نقتبس بعض
عباراته.
يقول في خصائص التصور
الإسلامي:
(يقوم التصور
الإسلامي على أساس أن
هناك الوهية
وعبودية... ألوهية
يتفرد بها الله
سبحانه، وعبودية
يشترك فيها كل من
عداه وقل مـــــا
عــــداه..
وكما يتفرد الله
-سبحانه- بالأولوهية،
كذلك ىتفرد تبعا لهذا
بكل خصائص الألوهية،
وكما يشترك كل حي وكل
شيء بعد ذلك في
العبودية، كذلك يتجرد
كل حي وكل شيء من
خصائص الأولوهية..
فهناك إذن وجودان
متميزان. وجود الله،
ووجود ما عداه من
عبيد الله، والعلاقة
بين الوجودين هي
علاقة الخالق
بالمخلوق وإلاله
بالعبيد).
أرأيت إذن: إن عبارة
نصه تقول: فهناك إذن
وجودان متميزان، وجود
الله، ووجود ما عداه
من عبيد الله،
والعلاقة بين
الوجودين هي علاقة
الخالق بالمخلوق
والإله بالعبد.
هل بقي قول لقائل أن
يدعي بأن سيد قطب
يخلط بين الله وبين
عبيده وأن الله قد
تجلى في صور
مخلوقاته، وأن الخالق
والمخلوق شيء واحد لا
فرق بينها ولا تمايز.
ويقول سيد -رحمة الله
عليه- في تفسير آية
الإسراء: (سبحان الذي
أسرى بعبده ليلا من
المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى).
(وتذكر صفة العبودية
(أسرى بعبده)
لتقريرها وتوكيدها في
مقام الإسراء والعروج
إلى الدرجات التي لم
يبلغها بشر - وذلك كي
لاننسى هذه الصفة
-ولا يلتبس مقام
العبودية- بمقام
الألوهية كما التبسا
في العقائد المسيحية
بعد عيسى عليه
السلام، بسبب مالابس
مولده ووفاته - وبسبب
الآيات التي أعطيت له
فاتخذها بعضهم سببا
للخلط بين مقام
العبودية ومقام
الأولوهية.. وبذلك
تبقى للعقيدة
الاسلامية بساطتها
ونصاعتها وتنزيهها
للذات الإلهية عن كل
شبهة من شرك أو
مشابهة، من قريب أو
من بعيد) ويقول رحمه
الله عند آية:
(لن يستنكف المسيح أن
يكون عبد الله ولا
الملائكة المقربون
ومن يستنكف عن عبادته
ويستكبر فسيحشرهم
إليه جميعا، فأما
الذين آمنوا وعملوا
الصالحات فيوفيهم
أجورهم ويزيدهم من
فضله، وأما الذين
استنكفوا واستكبروا
فيعذبهم عذابا أليما،
ولا يجدون لهم من دون
الله وليا ولا نصيرا
) (النساء: 271)
لقد عني الإسلام
عناية بالغة بتقرير
حقيقة وحدانية الله
سبحانه، وحدانية لا
تتلبس بشبهة شرك أو
مشابهة في صورة من
الصور، وعني بتقرير
أن الله سبحانه ليس
كمثله شيء، فلا يشترك
معه شيء في ماهية
ولاصفة ولاخاصيه.
كما عني بتقرير حقيقة
الصلة بين الله
سبحانه وكل شيء (بما
في ذلك كل حي) وهي
أنه صلة الوهية
وعبودية، الوهية الله
وعبودية كل شيء..
والمتتبع للقرآن كله
يجد العناية، فيه
بالغة بتقرير هذه
الحقائق -أو هذه
الحقيقة الواحدة
بجوانبها هذه- بحيث
لاتدع في النفس ظلا
من شك أو شبهة أو
غموض.
ولقد عني الإسلام
كذلك بأن يقرر أن هذه
هي الحقيقة التي جاء
بها الرسل أجمعون.
تقررها في سيرة كل
رسول، وفي دعوة كل
رسول، وجعلها محور
الرسالة من عهد نوح
عليه السلام إلى عهد
محمد خاتم النبيين
-عليه الصلاة
والسلام- تتكرر
الدعوة بها على لسان
كل رسول: (يا قوم
اعبدوا الله ما لكم
من إله غيره).
وكان من العجيب أن
اتباع الديانات
السماوية -وهي حاسمة
وصارمة في تقرير هذه
الحقيقة- يكون منهم
من يحرف هذه الحقيقة
وينسب لله -سبحانه-
البنين والبنات -أو
ينسب لله سبحانه-
الإمتزاج مع أحد من
خلقه في صور
الأقانيم، اقتباسا من
الوثنيات التي عاشت
في الجاهليات!
ألوهية وعبودية...
ولا شيء غير هذه
الحقيقة، ولا قاعدة
إلا هذه القاعده ولا
صلة إلا صلة الألوهية
بالعبوديةوصلة
العبودية بالالوهية
ولا تستقيم تصورات
الناس -كما لا يستقيم
حياتهم- إلا بتمحيص
هذه الحقيقة من كل
غبش، ومن كل شبهة،
ومن كل ظل.
أجل لا تستقيم تصورات
الناس ولا تستقر
مشاعرهم إلا حين
يستيقنون حقيقة الصلة
بينهم وبين ربهم.
هو إله لهم وهم
عبيده، هو خالق لهم
وهم مخاليق.. هو مالك
لهم وهم مماليك.. وهم
كلهم سواء في هذه
الصلة لا بنوة لأحد.
ولا امتزاج بأحد..
ومن ثم لا قربى لأحد
الا بشئ يملكه كل أحد
ويوجه إرادته إليه
فيبلغه (التقوى
والعمل الصالح)..
وهذا في مستطاع كل
أحد أن يحاوله، فإما
البنوة وإما الإمتزاج
مالي بهما لكل أحد؟!
إن المسيح عيسى بن
مريم لن يتعالى عن أن
يكون عبدا لله، لأنه
-عليه السلام- وهو
نبي الله ورسوله خير
من يعرف حقيقة
الألوهية وحقيقة
العبوديه، وإنهما
ماهيتان مختلفتان لا
تمتزجان. وهو خير من
يعرف أنه م ن خلق
الله فلايكون خلق
الله كالله أو بعضا
من الله.
والآن دعنا نرجع إلى
بعض أقوال القائلين
بوحدة الوجود، الذين
خرجوا من دين الله
بأقوالهم هذه. إذ أن
عباراتهم واضحة جلية
في الكفر الصراح
البواح، وبمنطوقهم
الصريح لا لبس فيه
أنهم يعتبرون الخلق
هم عين الخالق،
والأشياء هي حقيقة
الله تعالى الله عما
يقولون علوا كبيرا .
يقول ابن الفارض سنة
(236) في قصيدته
التائية وهو يصف الله
ويتكلم عنه كأنه
يتكلم عن معشوقته
ويتغزل بحبيبته.
لها صلواتي بالمقــام
أقيمـــها
وأشهد فيها أنها
لي صـلـت
كلانا مصل واحد ساجـد
إلى حقيقته
بالجمع في كل سـجدة
وما كان لي صلى سواي
ولم تكن صلاتي
لغيري في إدا كل ركعة
إنه ينطق بعبارة
صريحة أنه يصلي لله
والله يصلي له
فكلاهما مصل واحد
وساجد واحد، فأبن
الفارض صلى لنفسه ولم
تكن صلاته لغيره فهو
وربه حقيقة واحدة،
وشئ واحد تعالى الله
عما يقول الفارض.
ويقول ابن عربي (836
هـ): (فوجودنا وجوده،
ونحن مفتقرون إليه من
حيث وجودنا، وهو
مفتقر إلينا من حيث
ظهوره لنفسه : من
يحمدني وأحمده
ويعبدني واعبده.
ويقول:
العبد رب والرب
عبد يا ليت شعري
من المكلف
ويقول.
لا تراقب فليس في
الكون إلا واحد
لعين فهو عين الوجود
ويسمــى فـــي
حالــــــــة
بالـــــــه
ويسمـــى فـــي حالة
بالعبـــــــيد
وأما جلال الدين
الرومي سنة (276) فهو
يقول:
(يا من تبحثون عن
الله، إنما أنتم
الله، ليس الله خارجا
عنكم، هو أنتم أنتم،
اعتكفوا في الدار،
ولا تدوروا هنا وهناك
لأنكم أنتم الدار،
وأنتم رب الدار أنتم
الذات وأنتم الصفات
فالذي لم يلد ولم
يولد هو منكم أنتم
الأطهار والقيومون
المنزهون البعيدون عن
التغيير).
ويقول صدر الدين
القونوي سنة (376):
(فالإنسان هو الحق
وهو الذات، وهو
الصفات، وهو العرش
وهو الكرسي... وهو
الموجود وما حواه...
وهو الحق وهو الخلق،
وهوالقديم وهو
الحادث).
هذه عبارات القائلين
بوحدة الوجود، هي
واضحة صريحة بمنطوقها
ونصها أن الخالق هو
المخلوق، وأن الإنسان
هو الله. -سبحان الله
عما يشركونـ.
أهذه العبارات تشبه
عبارة سيد قطب التي
حملوها فوق ما تحتمل،
وفسروها تفسيرا يفضي
إلى الكفر كما يقول
الألباني: ؛نحن
لانحابي في دين الله
أحدا ... نقول هذا
الكلام كفر).
يقول الأستاذ سيد في
تفسير آية الحديد:
(هو الأول والأخر
والظاهر والباطن) هذا
الوجود الإلهي هو
الوجود الحقيقي الذي
يستمد منه كل شيء
وجوده، وهذه هي
الحقيقة الأولى التي
يستمد منها كل شيء
حقيقته، وليس وراءها
حقيقة ذاتية ولا وجود
ذاتي لشيء في هذا
الوجود.
إذن فهما وجودان:
وجود الله، ووجود
الأشياء الذي استمد
وجوده من الله، وهما
حقيقتان: حقيقة الله،
وحقيقة الأشياء.
(وهما وجودان
متمايزان كما يقول في
خصائص التصور:
(ووجود ماعداه من
عبيد الله والعلاقة
بين الوجودين هي
علاقة الخالق
بالمخلوق والإله
بالعبيد).
وما كان لكاتب
المعالم والظلال،
وخصائص التصور
ومقوماته إلا أن تكون
عقيدته صافية بهذا
الشكل، فهو يقول في
تفسير آية:
(يا أهل الكتاب لا
تغلو في دينكم ولا
تقولوا على الله إلا
الحق...) (النساء:
171)
(والله سبحانه تعالى
عن الشركة، وتعالى عن
المشابهة، ومقتضى
كونه خالقا يستتبع
-بذاته- أن يكون غير
الخلق، وما يملك
ادراك أن يتصور إلا
هذا التغاير بين
الخالق والمخلوق،
والمالك والملك).
أرأيت هذه العبارة
الأخيرة لعملاق الفكر
الإسلامي: (وما يملك
إدراك أن يتصور إلا
هذا التغاير بين
الخالق والمخلوق).
أي: لا يمكن لعاقل في
رأسه ذرة من تفكير أو
بقية من لب أن يتصور
أن الشيء وخالقة
واحد، ولا يمكن
الإنسان سوى أن يمر
بذهنه أو قلبه لحظة
أن الحجر والشجر هو
ذات الله -عز وجل- بل
لقد كان المشركون
الذي يعبدون الأصنام
يقولون: (ما نعبدهم
إلا ليقربونا إلى
الله زلفى).
وكانوا يقولون: (لبيك
اللهم لبيك لاشريك
لك، إلا شريكا هو لك،
تملكه وما ملك).
ثم يقول الأستاذ رحمه
الله في سورة الحديد:
(ولقد أخذ المتصوفة
بهذه الحقيقة
الأساسية الكبرى،
وهاموا بها وفيها،
وسلكوا إليها مسالك
شتى، بعضهم قال: أنه
يرى الله في كل شيء
في الوجود وبعضهم
قال: أنه رأى الله من
وراء كل شيء في
الوجود، وبعضهم قال :
انه رأى الله فلم ير
شيئا غيره في الوجود
وكلها أقوال تشير إلى
الحقيقة إذا تجاوزنا
عن ظاهر الألفاظ
القاصرة في هذا
المجال.
إن ذكر كلمة المتصوفة
في هذا المجال هو
الذي جعل المنتقدين
بهذه العبارات
ينتفضون، والمتصوفة
يقولون بوحدة الوجود،
اذا فسيد قطب يقول
بوحدة الوجود!!.
هذه عبارات أدبية
خرجت مع قلم سيد قطب
السيال بهذا النص، هو
يريد أن يوضح القضية
الكبرى التي تجعل
الإنسان يعبر على
مسيرة الحياة
بالمبادئ الربانية
والشريعة الإلهية.
هذه القضية أن الله
عزوجل هو الفعال لما
يريد، وكل فعل ممن
عداه لايستحق أن ينظر
إليه، لانه صغير،
حقير، وهو بجانب قدرة
الله وفعله لايساوي
شيئا، بل كأنه غير
موجود.
وكما يقول في مقدمة
(في ظلال القرآن):
(ومن ثم عشت في ظلال
القرآن، هادئ النفس،
مطمئن السريرة، قرير
الضمير، عشت أرى يد
الله في كل حادث وفي
كل أمر).
ويقول في تفسير (قل
هو الله أحد): (ومتى
استقر هذا التصور
الذي لا يرى في
الوجود إلا حقيقة
الله)، نستصحبه رؤية
هذه الحقيقة في كل
وجود آخر انبثق عنها،
وهذه درجة يرى فيها
القلب يد الله في كل
شيء يراه، ووراء ها
الدرجة التي لا يرى
فيها شيئا في الكون
إلا الله، لأنه
لاحقيقة هناك يراها
الآ حقيقة الله).
العبارات أدبية
بأسلوب رائع رصين
وفيها خفاء في المعنى
وبعض الإبهام وهي
تتضمن في ذاتها
(الفرق بين الخالق
والمخلوق) فهو يقول:
مستصحبه رؤية هذه
الحقيقة في كل وجود
آخر انبثق عنها إذن
فهما وجودان: وجود
الله، ووجود كل شيء
آخر انبثق من إرادة
الله.
هذه واحدة، والشيء
الآخر أن المسألة
والقضية هي: مجرد
مشاعر ورؤية قلبية
فالعبارات تقول: وهذه
درجة يرى فيها القلب
يد الله في كل شيء
يراه، وأما إذا أردنا
الوقوف على ظاهر
الألفاظ فهل يرى
القلب يد الله؟.
ولابن القيم كلام
قريب من هذا أن الأمر
الذي يريد سيد قطب
إقراره في القلب هو:
إرجاع الأمر كله إلى
الله (قل إن الأمر
كله لله) ويريد أن
يوهن أمر الأسباب حتى
لا يعلق بها القلب
البشري، فهي صغيرة،
ضئيلة لا قيمة لها
ولا وزن بجانب
الإرادة الفعالة -
ارادة الله - (فعال
لما يريد)، فوجود هذه
الأشياء والأسباب
والقوى التي تستعلي
في الأرض صغير صغير
أمام الذي لا يعجزه
شيء في الأرض ولا في
السماء)، إن سيد رأى
تخاذل الناس أمام قوى
الطغيان التي تستعبد
الناس في الأرض فأراد
أن يغرس في النفوس أن
هؤلاء بقواهم وعددهم
لا ينظر إليهم إذا
نظرنا إلى وجود الله
وقوة الله فكأنهم غير
موجود، لأن القلب
المرتبط بالله ينظر
إلى القوة الحقيقية،
ينظر إلى جبار
السموات والأرض إلى
الذي يمسك السموات أن
تزولا، فما هذا
الغثاء وما بال هذا
الزبد يطفو وينتفش
ويستعلي على عباد
الله، وهو في حقيقته
كأنه غير موجود.
ويصرح سيد بهذا
المعنى الذي يريد
إقراره في النفوس في
تفسير سورة الإخلاص،
(كذلك سيصحبه نفي
فاعلية الأسباب، ورد
كل شيء وكل حدث، وكل
حركة إلى السبب الأول
الذي منه صدرت، وبه
تأثرت.. وهذه هي
الحقيقة التي عني
القرآن عناية كبيرة
بتقريرها في التصور
الإيماني، ومن ثم كان
ينحي الأسباب الظاهرة
دائما ويصل الأمور
مباشرة بمشيئة الله
(وما رميت إذا رميت
ولكن الله رمى) (وما
النصر إلامن عندالله«
؛وما تشاءون إلا أن
يشاء الله) هذه هي
مدارج الطريق التي
حاد لها المتصوفة
فجذبتهم إلى بعيد.
وما أجمل لو أضاف سيد
هنا وهو ينتقد
الصوفية عبارة
فجذبتهم إلى بعيد
بالقول بوحدة الوجود)
ثم يضيف عبارته التي
أوردها في سورة
البقرة في تفسير
(قالوا اتخذ الله
ولدا سبحانه).
(والنظرية الإسلامية:
أن الخلق غير الخالق،
وأن الخالق ليس كمثله
شيء... ومن هنا تنتفي
من التصور فكرة وحدة
الوجود....أي بمعنى
أن الوجود وخالقه
وحدة واحدة، أو أن
الوجود إشعاع ذاتي
للخالق، أو أن الوجود
هو الصورة المرئية
لموجده، أو على أي
نحو من أنحاء التصور
على هذا الأساس).
وما أجملها من عبارة
له -رحمه الله- يقول
فيها: (وعقيدة أن لله
-سبحانه- ولدا عقيدة
ساذجة، منشؤها قصور
في التصور يعجز عن
إدراك الفارق الهائل
بين الطبيعة الإلهية
الأزلية الباقية
والطبيعة البشرية
المخلوقة الفانية،
والقصور كذلك عن
إدراك حكمة السنة
التي جرت بتوالد
أبناء الفناء، وهي
التكملة الطبيعة لما
فيها من نقص وقصور
لايكونان لله).
ويقول: (الحقيقة
الإعتقادية التي تنشأ
في النفس من تقرير
حقيقة الوحدانية..
حقيقة أن الوهية
الخالق تتبعها عبودية
الخلائق.. وأن هناك
فقط الوهية وعبودية،
الوهية واحدة وعبودية
كل شيء، وكل أحد في
هذا الوجود).
هذه عبارة سيد قطب:
يهاجم فيها بالنص
(القول بوحدة الوجود)
ويصرح فيها باللفظ
مئات المرات، أن مقام
الإلوهية غير مقام
العبودية (وأن الخالق
غير الخلق... فهناك
إذن وجودان
متمايزان.. وجود الله
ووجود ما عداه من
عبيد الله).
فهل هذه تلتبس وتشبه
عبارات القائلين
بوحدة الوجود مثل ابن
عربي ويسمى في حالة
باله ويسمى في حالة
العبيد.
أو تشبه عبارات سيد
عبارة جلال الدين
الرومي!! (يا من
تبحثون عن الله، إنما
أنتم الله، ليس الله
خارجا عنكم.. هو انتم
أنتم)
، (أو هناك تماثل بين
عبارات سيد الناصعة
وبين قول فريد الدين
العطار (اندمج أنت
فيه فهذا هو الحلول..
فادخل الوحدة واجتنب
الإثنية)
، أو هناك تقارب بين
النصوص التي كتبها
سيد وبين قول عبد
الكريم الجبلي (إن
الحق تعالى من حيث
ذاته يقتض إلا يظهر
في شيء إلا ويعبد ذلك
الشيء، وقد ظهر في
ذرات الوجود).
كان الأولى والأورع
في دين الله قبل أن
نتهم سيد قطب بالقول
بوحدة الوجود أن نقرأ
له أولا ثم بعد ذلك:
نقدم المنطوق الصريح
له على المنطوق غير
الصريح، ونقدم المفسر
من قوله على القول
المبهم له، ونقدم
بالترجيح المنطوق على
المفهوم، ونقدم عبارة
النص على إشارة النص
هذه من القواعد
الأساسية في علم
الأصول للخروج بأحكام
(فإذا تعارضت النصوص
لا بد من الجمع أولا
ثم النسخ ثم الترجيح
فهل حاولنا أن نقرأ
تفسير جزء واحد من
ثلاثين جزء ا من ظلال
القرآن حتى تحكم على
الرجل، إن سيد قطب لم
يقل: (إن كل ما تراه
بعينك فهو الله)،
وهذه المخلوقات التي
يسميها أهل الظاهر
مخلوقات ليست شيئا
غير الله.
إن سيدا يقول: (ومتى
استقر هذا التصور
الذي لايرى في الوجود
إلا حقيقة الله،
فستصحبه رؤية هذه
الحقيقة في كل وجود
آخر انبثق عنها، وهذه
درجة يرى القلب فيها
يد الله في كل شيء
يراه، ووراءها الدرجة
التي لايرى فيها شيئا
في الكون إلا الله،
لأنه لا حقيقة هناك
يراها إلا حقيقة
الله).
إذن لم يقل -كما قال
الشيخ الألباني- إن
كل ما تراه بعينك فهو
الله، بل قال: يرى
القلب فيها يد الله
في كل شيء.وشتان شتان
بين رؤية القلب ورؤية
العين.
وقال سيد: ووراءها
الدرجة التي لا يرى
فيها شيئا في الكون
إلا الله، وفاعل يرى
في هذه الجملة
الثانية: ضمير مستتر
تقديره هو يعود على
القلب في الجملة
الأولى.
فعبارة الأستاذ سيد:
تصور، رؤية القلب،
إحساس داخلي وإن
الإمام ابن القيم لا
يعتبر هذا ولا أكثر
منه صراحة من قبيل
القول بوحدة الوجود.
يقول ابن القيم في
مدارج السالكين
(1/251): (وفرق بين
إسقاط الشيء عن درجة
الوجود العلمي
الشهودي، وإسقاطه عن
رتبة الوجود الخارجي
العيني، فشيخ الإسلام
-يعني الهروي صاحب
منازل السائرين- بل
مشايخ القوم
المتكلمين بلسان
الفناء هذا مرادهم)
هذه شهادة من إمام من
أئمة السلف الذين
يتذوقون أساليب
البيان، وتذوقوا طعم
الأنس بالله من خلال
السير صعدا على مدارج
السالكين، يقول ابن
القيم: هذا الكلام
السابق في تفسير
عبارات الهروي صاحب
المنازل، يقول الهروي
صاحب منازل السائرين:
(الفناء: هو اضمحلال
ما دون الحق علما، ثم
جحد، ثم حقا، وهو على
ثلاث درجات).
قال ابن القيم في
تفسيرها: (الفناء
اضمحلال ما دون الحق
جحدا ).
(لا يريد به أن يعدم
من الوجود بالكلية،
وإنما يريد اضمحلاله
في العلم فيعلم أن ما
دونه باطل وأن وجوده
بين عدمين، وأنه ليس
له من ذاته إلا العدم
فعدمه بالذات، ووجوده
بإيجاد الحق له،
فيفني في علمه، كما
كان فانيا في حال
عدمه، فإذا فني في
علمه ارتقى إلى درجة
أخرى فوق ذلك، وهي
جحد السوى وإنكاره،
وهذه أبلغ من الأولى
لأنها غيبته عن السوى
فقد يغيب عنه وهو غير
جاحد له، وهذه
الثانية جحده
وإنكاره.
ومن ههنا دخل
الإتحادي وقال:
المراد جحد السوى
بالكلية، وإنه ما ثم
غير بوجه ما.
وحاشا لشيخ الإسلام
من الحاد أهل
الإتحاد، وإن كانت
عبارته موهمة بل
مفهمة ذلك، وإنما
آراء بالجحد في
الشهود لا في الوجود،
أي يجحده أن يكون
مشهودا فيجحد وجوده
الشهودي العلمي، لا
وجوده العيني
الخارجي، فهو أولا
يغيب عن وجوده
الشهودي العلمي، ثم
ينكر ثانيا وجوده في
علمه وهو اضمحلاله
جحدا، ثم يرتقي من
هذه الدرجة إلى درجة
أخرى أبلغ منها وحب
اضمحلاله في الحقيقة،
وأنه لا وجود له
البتة، وإنما وجوده
قائم بوجود الحق، فلو
لا وجود الحق لم يكن
هو موجودا، ففي
الحقيقة: الموجود
إنما هو الحق وحده،
والكائنات من أثر
وجوده، وهذا معنى
قولهم (إنها لا وجود
لها ولا أثر لها،
وإنها معدومة وفانية
ومضمحلة).
أين عبارات سيد قطب
من عبارات الهروي؟ كل
الذي قاله سيد: عدم
رؤية القلب للأشياء
لأنه متعلق بالحق،
بالوجود الحق، فهذه
الأشياء والمخلوقات
لا يعلق بها القلب
ولا نجعل لها لأنه
مشغول بالله، فهي
صغيرة حقيرة لا يراها
القلب ولا يأبه لها
فكأنها غير موجودة،
فالقضية بأختصار:
إحساس قلبي، ومشاعر
نفسية ورؤية داخلية
ببصيرته ببصره، أما
عبارات الهروي:
(اضمحلال ما دون الحق
علما، ثم جحدا، ثم
حقا ) (فإذا فني في
علمه ارتقى إلى درجة
أخرى فوق ذلك وهي جحد
السوى وإنكاره) أي
إنكار ما سوى الله
وجحده، والعبارة
واضحة في وحدة
الوجود.
ومع هذا فإن ابن
القيم رحمه الله
يقول: وحاشا لشيخ
الإسلام -الهروي- من
إلحاد أهل الإتحاد،
وإن كانت عبارته
موهمه بل مفهمة ذلك،
وإنما أراد بالجحود
في الشهود لا في
الوجود، أي يجحده أن
يكون مشهودا، فيجحد
وجوده الشهودي
العلمي، لا وجوده
العيني الخارجي) ماذا
نقول في سيد قطب لو
قال بالدرجة الثالثة:
(ثم يرتقي من هذه
الدرجة إلى درجة أبلغ
منها وهي: اضمحلاله
في الحقيقة، وإنه لا
وجود له البتة) هذه
عبارة ابن القيم في
تفسير عبارة الهروي)
ثم اضمحلاله حقا )
ويزيد ابن القيم في
توضيح العبارة (وإنه
لا وجود له البتة)
وإنما وجوده قائم
بوجود الحق، فلولا
وجود الحق لم يكن هو
موجودا، ففي الحقيقة:
الموجود إنما هو الحق
وحده، والكائنات من
أثر وجوده، هذا معنى
قولهم) إنها لا وجود
لها ولا أثر لها،
وإنها معدومه وفانية
ومضمحلة)، هل سمعت
عبارة ابن القيم؟ ففي
الحقيقة: الموجود
إنما هو الحق وحده
والكائنات من أثر
وجوده.
ولقد دافع ابن القيم
عن عبارات وأبيات
للهروي خطيرة جدا (1)
يقول الهروي:
ما وحـــد
الواحـــــد مــــن
واحد إذ كــل
مــن وحــده جاحـد
توحيد من ينطق عن
نعته عـــــارية
أبطلهــــــا
الواحــــــــــد
توحيــــــده
ايــــــــاه
توحـــــــــــيده
ونعـــت مــن
ينعتـه لأحــــد
قال ابن القيم: ومعنى
أبياته (ما وحد الله
-عزوجل- أحد توحيده
الخاص، الذي تفنى فيه
الرسوم ويضمحل فيه كل
حادث، ويتلاشى فيه كل
مكون، فإنه لا يتصور
منه التوحيد إلا
ببقاء الرسم -وهو
الموحد، وتوحيده
القائم به- فإذا وحده
شهد فعله الحادث
ورسمه الحادث، وذلك
جحود لحقيقة التوحيد،
الذي تفنى فيه
الرسوم، وتتلاشى فيه
الأكوان).
ثم يقول ابن القيم:
رحمة الله على أبي
إسماعيل، فتح
للزنادقة باب الكفر
والإلحاد فدخلوا منه.
وأقسموا بالله جهد
أيمانهم: إنه لمنهم
وما هو منهم، وغره
سراب الفناء... وحاشا
شيخ الإسلام من إلحاد
أهل الإتحاد. هذا
موقف إمام السلف -ابن
القيم- من عبارات
تكاد تكون صريحة في
وحدة الوجود، فليتنا
إذ لم نقف موقف ابن
القيم وهو موقف
الدفاع والتوضيح
وإزالة الغبش
والغموض، أقول -ليتنا
وقفنا موقف المحايد
من الأستاذ سيد قطب،
لا الموقف الذي يحمل
العبارات التي فيها
شيء من الخفاء
والإجمال على أسوأ
تفسير وأخطر محمل
فنقول: (نحن لا نحابي
في دين الله أحدا،
هذا الكلام كفر)، ولو
تركنا هذه المسألة
دون إثارة مافهم أحد
من الناشئة أن هذا
الكلام يشير إلى وحدة
الوجود.
لقد رأيت عبارات لابن
تيمية قريبة من كلام
سيد قطب يقول في
دقائق التفسير.
(ومن المأثورعن أبي
يزيد رحمه الله أنه
قال: استغاثة المخلوق
بالمخلوق كاستغاثة
الغريق بالغريق، وعن
الشيخ أبي عبد الله
القرشي أنه قال:
استغاثة المخلوق
بالمخلوق كاستغاثة
السجين بالسجين، وهدا
تقريب وإلا: فهو
استغاثة العدم
بالعدم).
هذا كلام ابن تيمية:
-استغاثة المخلوق
بالمخلوق- استغاثة
العدم بالعدم
فالمستغيث عدم
والمستغاث به عدم،
إذا حملنا هذا الكلام
على ظاهره فإنا نقول:
إن المخلوقات لا وجود
لها، ولكن المقصود أن
الوجود الحقيقي هو
لله -عزوجل- فهو صاحب
الإرادة والمشيئة
الفعالة التي لا وجود
لأية مشيئة أو إرادة
إزاءها.
وكثيرا ما يقول ابن
تيمية -رحمه الله-
الإنسان ليس له من
نفسه إلا العدم،
ولعلك لاحظت الأدب
الجم في النقل -عن
أبي يزيد- مع أنه
يقول بوحدة الوجود..
(ومن المأثور عن أبي
يزيد).
ولقد رأيت أن شيخ
الإسلام -ابن تيمية-
وابن القيم يتلمسون
الأعذار لبعض من
قالوا بوحدة الوجود
فيعاملونهم معاملة
المسلمين، لأنهم
يعتبرون أن كلماتهم
صدرت أثناء الغيبوبة،
ولذا فإن عبارة شيخ
الإسلام عن أبي يزيد
البسطامي الذي صرح
بوحدة الوجود صراحة
لا تأويل فيها ولا
مواربه.
قال ابن تيمية: عن
أبي يزيد -رحمه الله-
والدعاء بالرحمة لا
يجوز إلا للمسلم مع
أن أبا يزيد صرح
صراحة جلية بوحدة
الوجود.
قال أبو يزيد: (خرجت
من الله إلى الله حتى
صاح مني في، يا من
أنا أنت (سبحاني، ما
أعظم شأني)
(ما في الجبة الآ
الله)
، لكن ابن تيمية ينقل
عنه وبأدب رفيع جم
فيقول (ومن المأثور
عن أبي يزيد رحمه
الله) ويقول ابن
القيم في المدارج.
(ولكن في حالة السكر
والإصطلام والفناء قد
يغيب عن هذا التميز،
وفي هذه الحال قد
يقول صاحبها: ما يحكى
عن أبي يزيد أنه قال:
سبحاني أو ما في
الجبة إلا الله، ونحو
ذلك من الكلمات التي
لو صدرت عن قائلها
وعقله معه لكان
كافرا، ولكن مع سقوط
التمييز والشعور قد
يرتفع عنه قلم
المؤاخذة).
وكثيرا ما كنت أقول
بيني وبين نفسي: إن
عبارات الكفر التي
نقلت عن القائلين
بوحدة الوجود لا يمكن
أن تكون صادرة عن
عاقل، لأنها تصطدم مع
أبسط العقليات،
وتناقض كل البديهيات،
وهذا الأمر الذي كنت
أقوله بيني وبين نفسي
-والله أعلم إن لم
ينطبق على كثير منهم
فهو ينطبق على بعضهم.
إن هذه الأقوال تصدر
عنهم في حالات
الغيبوبة أو كما
يسميها إبن القيم في
حالة السكر والإصطلام
والفناء، فلا عقل، لا
تنكير ولا شعور ولا
تمييز .
لا يمكن لعاقل مهما
كان عقله أن يعتقد أن
الخالق هو المخلوق،
وأن العابد هو
المعبود، وأن الله هو
الإنسان، فمن اعتقد
هذا فهو إما مجنون أو
زنديق كافر.
إن استنباط حكم في
أية مسألة يقتضي جمع
النصوص التي تتعلق
بالمسألة وبعدها ننظر
لنخرج بالحكم بعد
الإحاطة -على قدر
الإمكان- بما ورد
فيها من النصوص.
فإذا سمعنا الحديث
الذي رواه البخاري عن
أم عطية رضي الله
عنها قالت: (بايعنا
رسول الله ص فقرأ
علينا أن لا يشركن
بالله شيئا ونهانا عن
النياحة، فقبضت امرأة
يدها...).
لا يجوز أن نأخذ حكما
بمفهوم المخالفة
للحديث فقبضت امرأة
يدها أن غيرها صافح
الرسول ص في البيعة.
لأن هذا المفهوم
يعارض المنطوق الصريح
لحديث البخاري الآخر
قال عروة: قالت
عائشة: فمن أقر بهذا
الشرط من المؤمنات
قال لها رسول الله ص:
قد بايعتك كلاما، ولا
والله ما مست يد رسول
الله ص يد امرأة قط
في المبايعة، ما
يبايعهن إلا بقوله:
قد بايعتكن على ذلك).
وبعد أن نطلع على
الحديث الثاني نفهم
الأول أن المراد من
فقبضت امرأة يدها
كناية عن تأخرها عن
قبول شروط البيعة.
إن الحكم على منهاج
رجل أو عقيدته أو
اتجاهه أو مسلكه أو
لغته لايتم من خلال
قراءة عبارة مقطوعة
مبتورة من احدى صفحات
كتبه، ان الخروج على
الناس بحكم على مفكر
لا يجوز أن يتم قبل
مطالعة كتبه، ومعرفة
المتقدم والمتأخر
منها، ومن المعلوم
كما بلغني من الثقات
أن الشيخ الألباني
كان يقول: إن خير من
كتب عن التوحيد في
هذا العصر هو سيد
قطب، وكان ينصح
بقراءة معالم في
الطريق لأنه يرى أن
الكتاب وضح التوحيد،
وسواء شهد لسيد قطب
الناس أم لم يشهدوا،
فالحقيقة أكبر من أن
تغطى لأن الشمس لا
تغطى بغربال، إن سيدا
نذر حياته لشرح حقيقة
التوحيد،
وهذا لا يعصم الإنسان
من الخطأ أحيانا، أو
يمنع من أن يكون في
بعض عباراته غموض،
وهذه العبارات
الغامضة أو المبهمة
تحمل على السيل
الجارف من النصوص
الموضحة للتوحيد
والتي تتجلى فيها
العقيدة الصافية
للسلف بلا غبش ولا
غموض.
وكثيرا ما كان ابن
تيمية رحمه الله
يتمثل بهذا البيت
الذي يحضرني في هذا
المجال.
وليس يصح في الأذهان
شيء إذا احتاج
النهار إلى دليل
وختاما ما أجمل أن
ننهي هذا المقال بهذه
الصورة التي تلوح
لسيد في مخيلتي وهم
يسوقونه إلى خشبة
المشنقة يتقدم إليه
شيخ من المشايخ
الرسميين الذين
يمثلون عادة ليلقنوا
الذي سيعدم كلمة
الشهادتين، إذ أن هذا
من مراسيم عملية
الإعدام، تقدم الشيخ
إلى سيد فقال له: يا
سيد! قل أشهد أن لا
إله الآ الله، فالتفت
إليه الأستاذ سيد
قائلا : حتى أنت جئت
تتم المسرحية، نحن
نعدم لإننا نقول لا
إله الآ الله وأنتم
تأكلون خبزا بلا إله
الأ الله، إتق الله
يا هذا، ولا تبق سيفا
للظالمين.
وختاما فليس هذا إلا
دفاعا عن الحق -والله
يشهد- وليس تعصبا
لسيد قطب، وإن كنت
أعتبر سيدا أكثر مفكر
في النصف الأخير من
القرن العشرين أثر في
البشرية وهز الجيل
فانتفض بإسلامه، ورسم
معالم الطريق، وأقام
الظلال لتستريح
الأجيال المسلمة من
هجير الجاهلية ولفحها
وتتقي حرها وصلاءها،
نرجو الله أن يغفر
لنا أجمعين.
ووضح خصائص التصور
وبين المقومات، حتى
يكون للشخصية المسلمة
خصائصها ومقوماتها،
وبشرنا أن (المستقبل
لهذا الدين) بعد أن
وضح لنا حقيقة (هذا
الدين).
لقد هال الأستاذ سيد
الصمت الرهيب المطبق
من قبل الجماهير
المتفرجة على قمع
الحركة الإسلامية
واجتثات الإسلام من
الجذور على يد
الطواغيت المسمين
بأسماء المسلمين،
وفكر طويلا في سر
موقف الجماهير غير
عابئه ولا آبهة بما
يجري للمسلمين من
إبادة، بين ظهرانيهم
فخرج بنتيجة: (أن
الجماهير لم تفهم لا
إله الآ الله).
ومن هنا نذر بقية
حياته المباركة
لتوضيح معنى لا إله
إلا الله وتعميقها في
النفوس حتى تؤتي
ثمارها جنية مباركة
في واقع الحياة.
فغير كثيرا في الطبعة
الثانية من الظلال
وكتب (هذا الدين)
(والمستقبل لهذا
الدين) (وخصائص
التصور الإسلامي
ومقوماته) (ومعالم في
الطريق) كان الأولى
بالأستاذ الألباني أن
يحاول:
1- أن يجمع بين
النصوص لسيد قطب:
فيحمل المجمل على
المبين، والمبهم على
الواضح .
2- أو يلجأ إلى
النسخ: فسورة البقرة
التي كتبها سيد في
الطبعة الثانية بعد
سورة الحديد
والإخلاص، لأنه لم
يصل إليها في الطبعة
الثانية بل وصل إلى
الجزء الرابع عشر فقط
في الطبعة الثانية.
3- أو يرجح بين
النصوص المتعارضة
لسيد فيرجح عبارة
النص (في سورة
البقرة) على إشارة
النص في السورتين
(الحديد والإخلاص)
ويرجح المنطوق الصريح
(في مهاجمة وحدة
الوجود) على المنطوق
غير الصريح في
السورتين.
ويرجح المنطوق الصريح
في سورة البقرة
والنساء (أن مقام
العبودية غير مقام
الألوهية وإنهما
متمايزان بلا امتزاج)
على المفهوم الوارد
في سورتي (الحديد و
الإخلاص).
4- أو يلجأ إلى إسقاط
العبارتين فيسكت عما
فيهما، وكان الأولى
كذلك أن لا تنشر
(المجتمع) هذا
الكلام، لأن فيه فتنة
للشباب وبلبلة لهم،
لأنه لا يحدث أحد قوم
ا بمقالة لا تبلغها
عقولهم إلا كان فتنة
لهم، حدثوا الناس بما
يفهمون، أتريدون أن
يكذب الله
ورسوله.(هذه وصية
السلف للخلف).
وأخيرا أرجو الله أن
يجمع القلوب وأن يجعل
كلامنا كله خالصا
لوجهه وأن يجمعنا مع
سيد قطب -إن شاء الله
- مع النبيين
والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك
رفيقا.
وأن يغفر لنا وللشيخ
الألباني وللسلف
والخلف ولسيد قطب
وللمسلمين أجمعين.
(ربنا اغفر لنا
ولإخواننا الذين
سبقونا بالإيمان ولا
تجعل في قلوبنا غلا
للذين آمنوا ربنا إنك
رؤوف رحيم) (الحشر:
10)
وسبحانك اللهم وبحمدك
أشهد أن لا اله إلا
أنت أستغفرك وأتوب
إليك.
وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين
عبـــد اللــــــه
عـــــــزام
أنظر قاسم
غني ص(65)
تاريخ التصوف
في الإسلام.
أنظر
كتاب الوكيل:
هذه هي
الصوفية
ص(46) عن
تذكرة
الأولياء
ص(061).
قال ابن
القيم في
مدارج
السالكين
(1/451):
(الفناء: هذا
الإسم يطلق
على ثلاث
معان:
أ- الفناء عن
وجود السوى
(غير الله):
فهذا فناء
الملاحدة
القائلين
بوحدة
الوجود.
ب- الفناء عن
شهود السوى:
فهو الفناء
الذي يشير
إليه أكثر
الصوفية
المتأخرين
وهو الذي بنى
عليه أبو
إسماعيل
الأنصاري
كتابه، وليس
مرادهم فناء
وجود ما سوى
الله في
الخارج بل
فناؤه عن
شهودهم
وحسهم،
فحقيقته:
غيبة أحدهم
عن سوى
مشهوده
(الله).
مدارج
السالكين
لابن القيم
(1/741).